والي بومرداس.. الهوية الامازيغية للشعب الجزائري شيء لا يمكن أن ينكره أحد

الاحتفال بيناير مناسبة تعكس تشبث سكان بومرداس بهويتهم الأمازيغية

0 19

يعود “يناير” ليتخطى سنة أخرى من التقويم الأمازيغي الذي يعتبر أقدم التقويمات التي استعملها البشر، وتعود الاحتفالات بهذه المناسبة ببومرداس، لهذه السنة بنكهة الأعياد الوطنية ببرنامج ضخم تشترك فيه جميع القطاعات، البلديات والجمعيات، إحياء للمناسبة التي تعتبر جزءا من التراث الأمازيغي الذي يعتبر أقدم منظومة قيم حضارية سنت لقانون تاجماعت قبل أن يأتي الإسلام ليهذبها، ورسما تفاؤليا للمستقبل تشترك فيه جميع العائلات عبر مختلف ولايات الوطن.
احتفلت ولاية بومرداس كباقي ولايات الوطن بالسنة الأمازيغية الجديدة يناير التي شهدت نشاطات بغية الاحتفال بحلول رأس السنة الأمازيغية في أجواء الفرح كما تقتضيه العادات والتقاليد، تحت طابع رسمي بعد إقرار الاحتفال به عيدا وطنيا من الأعياد الرسمية بالبلاد بهدف تعزيز “الوحدة الوطنية” وبالمقابل تفجر جدلا واسعا بشأن مشروعية الاحتفال به وسمحت بإبراز الثراء والتنوع الثقافي والتراثي الجزائري من خلال المنتجات الحرفية والمهن التقليدية وفن الطبخ والزي التقليدي وكذا المنتجات المحلية ومن أجل جعل هذه المناسبة التي تندرج في إطار الهوية التي يحتفل بها عبر كامل التراب الجزائري، باستعمال مختلف العادات.
واعتبر والي ولاية بومرداس يحي يحياتن، بالمناسبة أن قرار ترسيم يناير عيدا وطنيا هو قرار سديد وشجاع أثبت به للعالم بأسره أن للشعب الجزائري جذوره وله أصالته وهويته، فالهوية الامازيغية للشعب الجزائري شيء لا يمكن أن ينكره أحد وبذلك يكون رئيس الجمهورية قد أغلق كل الأبواب الداعية للفتنة وكل الأسباب التي استعملها بعض المغرضين للتشكيك في هوية المجتمع الجزائري ويحق للشعب الجزائري الذي احتفل بهذه المناسبة قبل قرون أن يرسم هذا الموعد بيوم وطني رسمي يحتفل به كل سنة وعلى عكس سكان مدينة بومرداس القاطنين بالمناطق الحضرية الذين تخلوا عن العديد من العادات والتقاليد التي تميز الاحتفال برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2972، بحيث يقتصر الاحتفال ليلة 12 يناير فقط، لا تزال العائلات المنتمية للأعراش القاطنة على مستوى جبال بومرداس محافظة على عادات وتقاليد تعود لآلاف السنين.واعترفت الجزائر باللغة الأمازيغية لغة وطنية في مارس 2002، بعد الأحداث الدامية التي أطلق عليها اسم “الربيع الأسود” التي تسببت في تسجيل 126 قتيلاً في سنة 2001 في منطقة القبائل، ليتم بعدها مباشرة الاعتراف بالأمازيغية كلغة رسمية ثانية في البلاد بعد العربية في تعديل دستوري اعتمد سنة 2016 وأقر التعديل الدستوري الأخير بالجزائر، الأمازيغية لغة وطنية إلى جانب اللغة العربية في الجزائر، تتويجا لتضحيات النخب الأمازيغية منذ نهاية أربعينيات القرن العشرين، وهو ما دفع بالعديد من النشطاء إلى المطالبة بجعل رأس السنة الأمازيغية يوم عطلة مدفوعة الأجر، على غرار الأعياد الوطنية والدينية التي تقرها البلاد.
فيما أكد ان تكريس اقرار احتفالية رأس السنة الأمازيغية “يناير”هو تكريس للهوية الوطنية و الذي سيعطي دفعا كبيرا للأمازيغية و العمل على ترقيتها و انتشارها و منحها اوسع الفضاءات لتحقق حضورها بالشكل المطلوب لكونها “ارثا مشتركا” بين كل الجزائريين.وعلى غرار احتفالات العائلات التي لازالت تحافظ على عدم تفويت إحياء هذه المناسبة ولو بطبق تقليدي كعشاء يجمع شمل العائلة لليلة “العام” كما يسميها البعض، جاءت الاحتفالات الرسمية مكثفة شملت مختلف بلديات وأرجاء الولاية، لتبرز مدى تمسكها بأصالتها والسعي إلى التعريف بموروثها الذي يشترك فيه جميع الشعب في تنوع يبرز التنوع الثقافي التاريخي لأمازيغ الجزائر.
لا تختلف ولاية بومرداس في احتفالاتها بيناير عن باقي ولايات الوطن، سواء في التقاليد المصاحبة لهذا العيد الذي تعدى في بعده التاريخي والوطني منطقة القبائل ليصبح عيدا يخص كل جزائري أينما كان بكل ربوع الوطن، إلى تقاسم التضامن الاجتماعي بكل صوره في خطوة تعكس حقيقة اللحمة الوطنية، هذا ما تأكد لـ”المغرب الأوسط” خلال حديث جمعها بأعضاء المجتمع المدني لبلديات سي مصطفى وعمال وبني عمران،يسر، ممن اهتدوا لفكرة “قفة يناير” كتعبير عن التآزر المجتمعي مع المحتاجين، لاسيما الأرامل ممن قد لا يتمكن من إحياء عادة “أمنسي يناير”، من خلال توزيعها عليهم وهي تحمل كل مستلزمات تحضير العشاء من كسكسى وحبوب وزيت وغيره ولئن كان رأس السنة الأمازيغية أو «باب العام» مثلما يسمى مرتبط كذلك بالأرض والزراعة، فإن نفس القرية شهدت السنة المنقضية، توزيع عدد من أشجار الزيتون تشجيعا للفلاحة الجبلية وهو نفس ما يتم التحضير له عن طريق جمع أكبر عدد ممكن من الأشجار المثمرة لتوزيعها تطوعا يوم 12 يناير، لترسيخ البعد الحقيقي لهذا العيد الوطني وجعله عيدا تشاركيا دائما مرتبطا بالأرض وخيراتها.
ونبقى في نفس الصورة التضامنية التي يعكسها يناير، من خلال مختلف الأطباق التقليدية التي يتم تحضيرها وتوزيعها، فإن كان طبق الكسكسي بالدجاج والبقول الجافة بسبعة أنواع أو إحدى عشر نوعا، هو الطبق الرئيسي المتعارف عليه إلا أنه تظهر أطباق تقليدية أخرى مثل البركوكس بالحبوب والخضر الموسمية، وكذلك الرفيس المعروف بمنطقة الثنية والذي يحضر من عجائن المسّمن المقطعة والمطهية على البخار يضاف إليها زيت الزيتون والسكر والزبيب، لتلتم حولها الأسرة ليلة يناير، تقول الحرفية في الأطباق التقليدية سعاد من بلدية الثنية، مؤكدة أن اهتمامها بباب العام الامازيغي أصبح يتزايد السنة تلو الأخرى بفضل الترويج الإعلامي له، ما جعلها تحاول ترسيخ إحياء يناير من خلال مختلف المعارض التي تشارك فيها بعرض أطباق تحضر حصريا بالمناسبة مثل الشرشم بالقمح (وهو طبق يحضر بالقمح والفول والحمص) وكذا حلويات تقليدية تحضر بكل بيت مثل البغرير والخفاف وروينة الخروب.
من جهته، أكد الحرفي في الفخار التقليدي من بلدية شعبة العامر قدور، المشارك بمعرض التراث الامازيغي بدار الثقافة «رشيد ميموني»، أن يناير هو مناسبة متجددة لإبراز الهوية الوطنية من خلال التراث المادي الذي ينحصر بالنسبة إليه في الصناعة التقليدية التي يبقى متمسكا بها يقول «لكونها أعطتني قيمة اجتماعية لأنها مصدر رزقي وبفضلها أصبحت معروفا بكل الوطن.. تماما مثل يناير فبفضله مازلنا متمسكين بأرضنا وهويتنا». واعتبر المتحدث إحياء المناسبة بقرية تيزة يشبه بكثير الاحتفال بكامل المناطق الأخرى بتحضير الكسكسي بالبقول الجافة والحلويات التقليدية، مع التأكيد على عادة تبادل الأطباق بين الجيران التي مازلت راسخة إلى اليوم.
ويناير بالنسبة لسمير، من منطقة قرية بوظهر بسي مصطفى الحرفي في السلالة التقليدية، هي مناسبة متجددة مع خيرات الأرض عن طريق التمسك بعادة تحضير «الطعام بالحبوب»، فحتى وإن كان الكسكسي يكاد لا يغيب عن موائدنا طيلة السنة، إلا أنه في يّناير ذو نكهة خاصة، لأنه رمز الخير والبركة، أما باب العام فيمثل فرصة «للشكر عن خيرات الأرض ودعاء لتكون السنوات المقبلة أعوام خير كذلك».
«وإذا جاك يناير حاير..غير كول قمحك خماير»، أي إذا هل باب العام بالأمطار فمعنى ذلك أن محصول السنة من القمح سيكون وفيرا، وهو ما يعكسه الاحتفال بتحضير «أمنسي ن يناير» بالكسكسي بكل أنواع الحبوب التي يتم تخزينها من الموسم الزراعي الماضي، وعملا على تخزين الحبوب في الموسم الجاري وهكذا دواليك، يقول احد مواطني بلدية برج منايل مؤكدا أن ترسيم 12 يناير عيدا وطنيا مدفوع الأجر «خطوة ايجابية لتصالح الشعب مع هويته الامازيغية وترسيخا للحمة الوطنية، ودعوة للعودة إلى عادات زمان بالالتفاف حول اللمة العائلية بعيدا عن ملهيات العصر الحالي».
وإحياء يناير هذه السنة بولاية بومرداس، يعرف تنظيم عدة تظاهرات تعكس التراث الامازيغي تشمل معارض للحرف التقليدية، إلى جانب تنظيم ندوات ومحاضرات بالمناسبة عبر مختلف المراكز الثقافية، مع الإشارة إلى أن التجار يتحضرون من جهتهم لإحياء باب السنة الامازيغية بطريقتهم الخاصة، عن طريق تحضير البلوط و«ثازرت» أو الكرموس (التين المجفف) والفول السوداني واللوز والقسطل وغيرها من الثمار الجافة التي تقدم بالعادة مخلوطة بالحلويات والشكولاطة تقدم للغير تعبيرا عن التآخي..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار