معتقل الموت بمدينة سيدي علي بمستغانم الشاهد الأكبر عن جرائم فرنسا الاستعمارية

عذب به أزيد من 60 ألف نزيل و استشهد به ما يتجاوز 4 ألاف بطل

0 6

وبإقليم ولاية مستغانم التي قدم فيها الساكنة أروع المعارك البطولية، ضد جحافل المستعمرين ، كما كانت التضحيات جسيمة لمجابهة اعتي وأشرس أشكال الاستعمار الاستيطاني الذي جسدته فرنسا الكولونيالية في بلد المليون شهيد ، حيث لا زالت الشواهد و المشاهد شاهدة إلى يوم الدين من خلال تسطير أروع البطولات و تحدي أفضع أشكال الجرائم و المجازر المقترفة .
و في سياق نفض الغبار عن معالم لا تزال تؤرخ لماضي فرنسا ،ارتأت اليومية أن تبرز فصلا من فصول الجرائم الاستعمارية خلال مرحلة الثورة التحريرية المجيدة وبغض النظر عما اقترفته طوال الحقبة الاستعمارية الملطخة بالدماء الزكية ، التي كان عنوانها الجرائم البشعة على غرار محرقة أولاد رياح بمنطقة النقمارية شرق ولاية مستغانم التي ارتكبها السفاح ” بيليسي” سنة 1845 والتي راح ضحيتها أزيد من 1600 شهيد من الأطفال والشيوخ والنساء الذين احتموا بمغارة للاختفاء عن أعين مجرمي الأرض المحروقة وحرب الإبادة، لفسح المجال أمام أوغاد المستوطنين لولوج بلاد الخيرات والأرض الطيبة .
وبالرجوع إلى الصفحات السوداء لجرائم فرنسا خلال مرحلة الثورة التحريرية الكبرى ،فقد ركزنا على سجن الكاريار “أو معتقل الموت الكائن بتراب بلدية سيدي علي التي تبعد بحوالي 50كلم شرق عاصمة الولاية مستغانم ، وهو اليوم موقعا تاريخيا تظل أركانه محفوظة بعدما حول إلى متحف للمجاهد ليبقى شاهدا عن فترة عصيبة وأليمة مر بها ساكنة المنطقة وتلك المجاورة لها .
المعتقل ذاك وحينما اشتدت ضربات مجاهدي جيش التحرير الوطني ،وتوالي هزائم القوات الفرنسية بانتشار الرعب وسط المعمرين ، وجراء تلاحم الشعب بقيادته الثورية مع اتساع رقعة المعارك المظفرة خصوصا منها معركة سيدي الزقاي بالمنطقة سنة 1956 ، أقدمت الإدارة الاستعمارية الفرنسية على بناء محتشد ومعتقل لقهر كل من يجرؤ على مساعدة الثورة أو التقرب منها،كما أضحى كل شخص بالغ محل شك يحول عنوة إلى ذات المعتقل الذي أقيم بربوة محاذية لموقع كانت تستخرج منه مواد البناء في الضاحية الجنوبية من مدينة سيدي علي عرف” بالكاريار” حيث أقيمت زنزانات سخرت خصيصا لإنزال أبشع أنواع التعذيب على زواره و نزلائه .
المعتقل أحيط بسياج يعلوه برج للمراقبة وهو قريب من دار الحاكم الفرنسي ، كان يحوي 9 زنزانات مختلفة السعة ، إلى جانب 3 قاعات للاعتقال الجماعي للرجال والنساء ، إضافة إلى مرافق أخرى منها مكتب الجلادين والعملاء والمكلفين بالتعذيب .
ذات المعتقل سيق إليه منذ افتتاحه أواخر سنة 1956 إلى غاية يوم النصر أزيد وحسب مصادرنا التاريخية من 60الف معتقل منهم أزيد من 4 ألاف استشهدوا تحت نير التعذيب والجلد بمختلف الأساليب والأنواع البشعة، من اجل إسكات صوت الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه ، إذ استعملوا شتى أساليب البطش من الاستنطاق إلى التجويع والترهيب بواسطة استخدام الكي والصعقات الكهربائية والإعدام والتقييد بالسلاسل الحديدية والأغلال ، والماء الساخن وخدش الحياء والاغتصاب للنساء المعتقلات ، وهلم جر مما كان الجلادون يتفننون فيه من أشكال التعذيب التي ابتدعها جنرالات فرنسا ، وما ارتكبوه من جرائم ضد الإنسانية تريد وسائل الإعلام الغربية والفرنسية طمسها ، كما تتهرب السلطات الرسمية عن الاعتراف بما اقترف في حق شعب المليون ونصف المليون شهيد .
19 من شهر مارس سنة 1962 كان تتويجا فعليا لثورة حطمت أسطورة الجيش الذي لا يهزم ، حيث رسم عهدا جديدا للشعب الجزائري البطل الذي أبى إلا أن يحيا حرا في كنف الدولة المستقلة ذات السيادة.
إن صفحات فرنسا الاستعمارية تظل مليئة بالجرائم والمجازر التي لا تمحى من الذاكرة الجماعية ، بتراب ولاية مستغانم وفي كل شبر من ارض الوطن ، كما تظل الثورة النبراس الذي يضيء شموع الأمل وتشكل محطة تاريخية حاسمة تؤرخ لمدى التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري ، في مرحلة تبقى فيها الأمة في حاجة إلى تضحيات مماثلة تدفع بالأجيال المستقبلية نحو بر الأمان لصناعة مجد الاستقرار والتقدم والرقي، بعيدا عن الصراعات التافهة .
المعتقل حيث بعد الاستقلال و استرجاع السيادة الوطنية خضع لعدة عمليات ترميم ، أخرها كان خلال السنة المنصرمة ، بعدما حول إلى متحف لتعريف الأجيال الصاعدة بما اقترفته فرنسا من جرائم يندى لها الجبين في حق الآلاف من أبناء الأمة من أعمال وحشية .
المتحف اليوم يحتوي على 3 أروقة منها رواق الزنزانات التي لا تزيد سعتها عن 6 أمتار مربعة كان يجمع بها ما يناهز 80 معتقلا مكدسين عمقها ، وضعت بداخلها ألان مجسمات لإبراز وضعية المسجون بها إلى جانب وسائل التعذيب ، و بحيث أن كل زنزانة مخصصة لطريقة من طرق التعذيب الوحشي ، فضلا عن إرفاق ذلك المشهد بأصوات تئن من صراخ و عويل مصحوبة بلحن حزين لآلة الناي ، إلى جانب قاعة للعرض و مكتبة
و في ذات السياق فان ولاية مستغانم أقامت بها فرنسا إبان الثورة التحريرية الكبرى نماذج لمعتقلات أخرى تواجدت بكل من منطقة بلاد الطواهرية بدائرة ماسرى و معتقل آخر بمدينة عين تادلس و آخر بعاصمة الولاية كانت كلها مواقع لإنزال أبشع أنواع التعذيب للمعتقلين من شتى الفئات الشعبية التي احتضنت الثورة و أسهمت في إنزال الهزيمة باعتي و أشرس قوة استعمارية التي ظلت تقطع الرؤوس منذ عهد المقاومات الشعبية إلى أخر يوم من خروج قواتها ذليلة مهزومة أمام ثورة عظيمة لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلا .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار