العشق في مفهوم الشاعر خالد منشد

دراسة نقدية

0 4

تصور قصيدة (عاشقتي ) معاناة شاعرنا لفؤاده الذي يتحرق شوقاً ووجداناً ، فقد جاءت صورة مكتملة بالحيوية والحركة فنجد ذلك جلياً في مطلعها الذي يقول فيه ( لفي قلمي المجنون بين اصابعي ) .
ولعل شاعرنا الناصر لم يكن يقترب من الغزل ( على حدِّ علمي القاصر ) إلا أنه وضع عنه إزاره وتحرك ذلك القلم المجنون كسيل عرمرم من غير توقف ، بتشخيص دقيق لكل مجريات العلاقة الرومانسية بين اثنين لم تقف حكاياتهما عند حدّ معين حتّى عند ارتجاف شفتيهما ….
وقد يخطر ببال أحد أن هذه الحكايات جاءت جزافاً ، لكنه إذْ يتوهم ذلك فإنه في الحال سيعلم جيداً حقيقة أمر شاعرنا الناصر عندما يقرأ أن فاتنته قد طالت فؤاده واقتنصته من غير استئذان منه بسهم احتالت به عليه بعد أن طاولته كثيراً . ويستطرد شاعرنا الناصر معاناته العشقية تلك بطبقة عالية باذخة من الرؤى والتصوير ما يدفع عنه غاشية التغيب عن الغزل بما يملأ وجدان جمهوره وقرائه بكلام له ذؤابة الشعر العربي وحلاوته.
وثمة مقارنات لدى شاعرنا الناصر يميز فيها شهرزاده عن النساء الأخريات ، حيث يبين من صفاتها التي من خلالها استوحى نظمه لهذه القصيدة بشيء من الجنون وهو المعروف بكياسته ، فعاشقته هي وحي قديم وحاضر استطاعت بوحيها ذاك أن تتجاوز وحدته وما اعتمرها من حزن وأسىً ونفور من الأنثى ، وعاشقته تلك قد أدت وظيفتها في قصيدته هذه في بناء مشاعره في ذاته التي ظنّ الكثير أن رحلتها تلك كانت من دون أجنحةِ معاناةٍ وقيود زمانية فاسترسلتْ بعاطفتها حتّى اغرقتْه ، فأغرقَنا هو شعراً وفيضاً من غزله بعد سلسلة جراحات كانت باعثاً له لهذه الحكاية التي ابتدأت من نقطة ولا تنتهي في أُخرى.
وهناك حالات من التقديم والتأخير نلحظها في قصيدته , إذْ يقول (حكاياتِ عشقٍ داعبتْ شفتانا ) فقدّم المفعول به على الفعل والفاعل وذلك لما يشعره بالملكية الخاصة لأنثاه وما يشعر به من الانبعاث العاطفي ، وما أوحى له ذلك الفعل الماضي (داعبتْ) من الترتيب والتعقيب دون توانٍ ما جعل شاعرنا يتمسك بعاشقته دون أن يظنّ أحد أن الوزن والقافية هي المسؤولة عن ذلك ، فشاعرنا يفكر كثيراً فتتشكل العبارة الشعرية وحدها بين يديه فيجعل من نظمه جديلة واحدة ، حيث يبني شاعرنا لعاشقته صورةَ شلاله الذي يغسل مهجَهما من حوبة الدرن ولا نجد تلك الصورة الصوفية في قصيدته هذه أكثر وضوحاً من قوله (فيا ليت ساعات الغرام تسمّرتْ … فما أزفتْ وقت اللقاء أوانا ) حتّى قطع شوطاً بليغاً من خلال صوره المخزونة الكثيفة ومعجمه الذي لا يكاد ينتهي عند حدّ .
وتعبيرات شاعرنا الناصر محكمة جداً لا تكون أسيرة المصادفات ، فهو يعزف على أوتار غزله ما أوصل فكرة للكثير أنه قادر على سبر أغوار الغزل بلا تكلف ولا ترهل ، فخاض تجربته هذه بأداء خاص وهو المعروف عنه في قصائده العلمية والفلسفية والتاريخية وكلّ شيء إلا الغزل ، فقد توهم المتعجلون في رأيهم حول قدرة شاعرنا الناصر في بث غزله على الإطلاق كأنداده في السنّ ونظرائه في صنعة الشعر ، وهو من مدرسة الشعر الراقي الذي ينتمي إليها بوشائج يكاد يُحسَد عليها .
وخلاصة الأمر , إن شاعرنا الناصر لم يكن لِيلجَ عالمَ العشق المتشابك بوساوس امرأته الفاتنة وعطرها وياسمينها لولا وقوعه في شراك جمالها ورضاب شفتيها حتّى أحسن قراءة الغزل ، وكلّ ذلك يعود بالفضل إلى أنثاه التي امتلكت جملة من المزايا والخصائص التي ميزتْها عن قريناتها فحلّقتْ معه ( وهي الخبيرة بأحوال الجمال والغزل ) ، وسرعان ما أسلم شاعرنا الناصر قياده لها في طفولة عذبة و محببة لعاشقته .

لَفي قَلَمي المجْنونِ بينَ أصابعي…حكاياتِ عشْقٍ داعبت شفتانا
وفاتنةٌ .. قلبي بهِ لَعِبَتْ .. وَلمْ.. يَزَلْ ألفَ ليلٍ شهْريارَ هَوانا
ففي قَلَمي المجْنونِ سحْرُ عبارةٍ. إذا خطّ حرفاً في الهوى وأَبَانا
وفي مُودعِ الأسرارِ أخْفي قصائداً…لعاشقةٍ أنّى قصدتٌ بَيَانا
فعاشقتي وحْيٌ قديمٌ وحـاضرٌ …وَيَنْسخُ بعْضاً بعْضٌه بِلُقانا
دواوينُها عشْقـي إذا نَطَقتْ بِهِ.. أو اسْتَرْسَلَتْ شِعْراً فليسَ سِوانا
إذا ماجَ شوقٌ انْهَمرنَا بِموْجِهِ..بشلّالِ عِشْقٍ **** غارقانِ كلانا
وإنْ جَلَسَتْ عنّي بعيـدا تَمَلّمَلَتْ..كأن جداراَ حالَ دونَ لُقانا
نجاذبُ أطرافَ الحديثِ ترفّقاً..وَمَا خالَفَتْ حلْوَ الحديثِ رُؤانا
فَكَمْ نَصَبَتْ عنْد الدلالِ شِراكَها…وما همّني لو قد خسرْتُ رِهانا
أجاري الهوى ذاكَ السبيلُ لحيْلتي..ليـزدادَ عشْقُ العاشقينَ مِرانا
فيا ليتَ ساعات الغرامِ تسمّرتْ…فَمَا أَزِفَتْ وقْتَ اللقاءِ أوانا
وَلا أرّقَتْنَا الحادثاتُ تحسّداً…وَلا هَـجَرتْ درْبَ الغرامِ خُطانا

( في عشْقِ ليْلى )
تولّهْتُ في عشقِ النساءِ تسالياً…فلمّا بَدتْ ليْلى بَكيْتُ منِ العشْقِ
حسبْتُ الهوى لهْواً فلما آبْتُليْتُهُ…لعنْتُ ألاعيبي وأجْحفْتُ في حقَي
غفلْتُ بأنّ العشْقَ يمْكرُ مكْرَهُ…فيبْدو حصيفُ الرأي في غايةِ الحمْقِ
فجادلْتُ نفْسي كيفَ ليْلى تسوقُني..وتـدْفعُـني دفـْعاً لمنْحـَدَرٍ زلْقِ
غدوْتُ كَمَنْ يسْري جهولاً لِحتْفهِ…ويحْسبُ رِّق العاشقينَ مِن العتْقِ
إليَّ رَمَتْ حبّاتِها ، يالَمكرِها.دنوْتُ إليها في وثوقٍ مِن السبْقِ
على بَغْتَةٍ ألْقتْ عليّ شِباكَها…تخبّطْتُ لكنْ لا فرارَ مِن الرِبْقِ
سَرتْ رعْدةٌ لا زالَ يسْري هسيسُها…كألْسنةِ النيرانِ تحْتالُ في حَرْقي
فيا ربّ ليلى أينَ عدلُكَ في الهوى…أم العشْقُ كالسلْطانِ بدٌّ على الخَلْقِ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار