ماجد الربيعي… لغة خاصة في الغزل يستمد مادته من حكاية سكنت نبضه بجزالة لفظ ومتانة بناء (2)

دراسة نقدية

0 3

غربةُ الربيعي
قليلون أُولئك الّذين فهموا الحياة حقّ الفهم ، وخبروها كلّ الخبرة ، وتذوقوها بقدر لامحدود ، وسعة لامتناهية ، بما يناسب الخبرة العميقة والفهم الأصيل . وهذا هو الفارق الأكبر بين حقيقتي (الفهم) و (التذوق) لاسيما عند الشعراء .وشاعرنا القدير ماجد الربيعي هو من أُولئك القادرين على الفصل بين الفهم والتذوق وتوضيح ذلك لجمهوره وقراء فنّه المتميز ، بأداة ذهنه الفاحص وشعوره المرهف ، وهما طاقتان قد انتصبتا عنده بهاء وروعة , فقويت تلكما الطاقتان وتوقدتا وجوداً في شعلة قلبه وعقله على حدٍّ سواء ، حتّى أصبحتا نافذة تطلّ على حديقة غنّاء مليئة بأغصان زيزفونه . من هنا نفهم بوضوح المبرر الأساس ، والسبب الأسمى الذي جعل شاعرنا يُطلق صيحتَه الملتاعة تحت أضلعٍ تكاد تكون متهاوية بصرخة طواعية أذوت حشاه وأذكت حزنه وألمه في بناء جميل أوكلَه إلى صورة كئيبة رسمها لنا شاعرنا بفؤاد مبتهل ، وانامل معتلة ، وحرف لم يكن مألوفاً لديه قبل أوانه هذا ، ما جعل تلك الصورة مَجدُولةً بجدائل النأي والكبر والهمّ والابتسامة ، وما جعلنا نعيش معها روحانية قد سرت في روح شفافة ، بعد شدّة معاناة ، وطول مجاهدة مما يجعل شاعرنا مطالباً بالشرح والتفسير عن تلكم القدرة الفائقة التي امتلك زمام تركيباتها اللفظية ، وتذوقَ فيها ايجابيةَ صورها الفنية مع شكوى سنيِّه الخمسين التي رافقت لونَ شيبهِ الأبيض ومكابرةِ شاعرنا وعناده اللذين راق له أن يتجاوز من خلالهما منحدراً خطيراً أودىٰ به إلى ساحة صراع شديد لا هدوء فيه ولا صمت .
وقد انتصب ذلك الصراع بشكل جعل شاعرنا مثيراً للشفقة ، والشعور بالغضب ، حتّى غرق في ذكريات سنيّهِ الخمسين ناسياً (أو متناسياً) وجودها الفعلي والتي توالت عليه عجافاً ما جعلها مؤثرة جداً حتّى استحال إلى لونٍ أجردَ بفعل فصوله التي انقضت دون أن يغتسل شاعرنا بأمطارها من درن أوجاعه التي تراكمت وتراصت مع بعضها البعض لتسرق منه ربيعه الذي لم يعد بالإمكان ردُّهُ أو اعادته ، ولتهرق روحَه ودمَه الفائر على جدران غربته ووحدته اللتين أفناهما بين أيامٍ مريرة وليالٍ سقيمة ، وهو يحاول في هدأتها أنْ يأوي إلى ظلِّ راحةٍ ينشد فيها أشواقه التي أوجعته تحت أملِ فجرٍ له رائحة تبعث في نفسه مقداراً عظيماً من الأمل الذي لا يُرجِعُ له ربيعَه الذي هشّمتْه الخمسون بمعاولها ، وألقت بها في جوفِ موقدِ نيرانها المتلظية ، حتّى خُيَّلَ لشاعرنا أنه يحاكي ظنونَه المختلفة بظهر أحدب ، ونوبات سعال متتابعة ، وهوىً أصابته عدوى الفتور ، ونفس مكسورة تصببَ منها عرقاً ، ما حدا بشاعرنا الربيعي أن يفكر مليّا في نظم هذه الأبيات ويستمر بها طويلاً بشكل متزن وعبارات منسقة جعلته يصيح بأعلى صوته (يا ويح نفسي ) بأسلوب شعوري غير مبهم ، يجعل من صرخته المدوية (على ماذا أُصبّرها) صورةً موسيقيةً لا يتذوق جمالَ لحنِها ، ولا يهتزّ لروعة ايقاعها ،ولا يتجاوز نغمها سوى الخبير المتذوق للفن .
هذا الأسلوب هو ما اتخذه شاعرنا في قصيدته التي جعل منها قانوناً يسير فيه ويقرر طريقه مع ما تبقىٰ من سني عمره الذي لا نديم يزيح كربَه وهمّه ، ولا سحابة صيفٍ يمكن لها أن تخرق هذا القانون ، وذلك ينبئنا أن شاعرنا مراقِبٌ جيد لعوامل الطبيعة ، وعارف كيّسٌ بكلِّ الأمور التي تجعله متابعاً لدرسهِ الذي يفضي إلى أنَّ ربيع العمر سريع العطب ، وأنَّ الحلم متبدد حتماً مع الريح هباءً منثوراً .
وخلاصة الأمر , إنَ شاعرنا استلهم من سنيّه الخمسين شكوى أباحت له أن يتسلق السلّم ما يجعله في مصاف الشعراء الكبار .
غربة العمر
تحتَ الضّلوعِ هُنا خَبَّأتُ مُضطَرما يذوي حشايَ ويُذكي الحزنَ والأَلَما
ما ناءَ كَتفي بِحِملٍ دمتُ أَحمِلُــــــهُ أُكابِرُ النَّفسَ رغمَ الهَمِّ مُبتَسِمـــــــا
ولا شَكوتُ لِخَمـسيني أُعانِدُهـــــــا فَأَنبَتَت أبيَضاً في الرأسِ مُحتَدِمـــــا
تَمضي سنيني عِجـافاً في تَصَحُّرِها .ولا ربيعٌ يَردُّ العمرَ إنْ هَرِمــــــــا
يا مُديَةً أَوغَلَت في الصَّدرِ طَعنَتَها .بينَ الحُشاشةِ روحاً أَهرَقَت وَدَمــا
يا غُربَةَ العُمرِ كَم أَفنيتِ من زَمَـنٍ.في كلِّ يومٍ أَذوقُ المُرَّ والسَّقَمـــــا
ارنو لِفَجرٍ سَيَأتيني بِأُمنيَــــــــــــةٍ ..آهٍ لِفَجري بِأنواعِ الهمومِ رَمــــــى
في هَدأةِ اللّيلِ والأشواقُ توجِعُنــي فَجرٌ بَعيدٌ وليلٌ تٌهتُ بينَهُمـــــــــــا
شَتّى الظُّنونِ أُحاكيها فَتَجعَلُنــــــي .. أَدورُ بينَ شَتاتِ العُمرِ مُتَّهَمــــــــا
أُعاقِرُ اللّيلَ يَمضي دونَما أَمَـــــلٍ.. ما زِلتُ أَحلُمُ ليتَ العمرَ ما سَلِمـا
أمضي معَ التيهِ والأوهامُ تَنهَشُني..أُصَبِّرُ النفسَ مَكسوراً ومُنهَزِمـــا
يا ويحَ نَفسي على ماذا أُصَبِّرُهـا .. وقَد عَلِمتُ بأَنَّ العُمرَ مَرَّ كَمـــــا
سُحابُ صَيفٍ فلا قَطرٌ يُبَلِّلُنــــي..ولا نَديمٌ يُزيحُ الكَربَ لو عَظُمــا
دفـق وريدي

كلُّ عامٍ وأنتِ دَفْقُ وَريــــدي ..وشَهيقي وسَعْدُ قَلبي وَعِيدي
كلُّ عامٍ ودُنيتي بكِ أحلــــــى …وحَياتي تَعُجُّ بالتَجديــــــــــدِ
في مُحيّاكِ واحَةٌ وظـــــــلالٌ… يا كياني وعالمي ووجــــودي
مَن لقَلبــي إذا تَغشــّاهُ حــُزنٌ …أو تَلَظــّى بجَمــرَةِ التَسهِيــدِ
غَير كفّيــكِ تَحنيــانِ بــِدِفءٍ …يا مَلاكاً يَضُــمُّني كَالوَليــــدِ
فَتعالَي هــيَ السّنــونُ قِصارٌ … يَنفَدُ العُمرُ إنْ قَضى بِالصّدودِ
دونَ عَينَيكِ ظامِيءٌ يا سُلَيمى .. فَاغدِقيني من الرُّضابِ وَزيدي

عشية صاح البين

عَشيَّةَ صَاحَ البينُ والبينُ مُرهِق.. تمنيتُ روحي قبلَ روحِك تَزهَقُ
اهيمُ فلا أدري إلى أينَ أنتهـــــــي .. تَعبتُ وَ لي في الصَدرِ قلبٌ مُمزّقُ
اساطيلُ حُزنٍ حينَ غَادرتَ أقبَلَت.. تناورُ في مينَاءِ صَدري وَ تَغرَقُ
انَاديكَ أمهِلني فَخَطوي يَخونُني..وأنتَ بعيداً صُرتَ والموتُ يَلحَقُ
اناديكَ لا تعجلْ فما زلتُ ظامِئـــا.. أتوقُ لفيضٍ من مُحَيّاكَ يغــــــدِقُ
ابَابيلُ تَرميني بسِجِّيلِ نارِهَـــــــا.. فَتَجعلني عَصفًا بهِ الرُّوحُ تُحرَقُ
أتَرضى لهذا الصَّبرِ أن ينهشَ الحشا..وحولي متاهاتٌ وبابُكَ مُغلَـــــــــــــقُ
أتَرضى يصيرُ الليلُ كابوسَ وحدَتي ..ولا أنتَ تأتيني ولا الشمسُ تَشـــــرقُ
أخي عيلَ صَبري واستُبيحَت حُشاشَتي.. ودارَت رَحىً عجلى على القَلبِ تَطبِقُ
اخي ياحَبيبَ القلبِ كيفَ أحتمَلتَها..وحيداً بلا أحبابِ وَ القبرُ ضَيّـــقُ
وكيفَ احتَملتَ الرًّملَ فوقكَ جاثِماً.. وأنتَ الذي بالمسكِ كُلُكَ تعبــــــقُ
فَمَن لي يَصدُّ العادياتِ إذا هوَت.. وَمَن لي لهذا الدمعِ لو يَترَقــرَقُ
وكُنتَ إذا ما الآهُ ضَجَّت بِأَضلُعي.. تَذوبُ وقبلَ الآهِ قلبُكَ يَخفِــــــــقُ
تُريدُكَ روحي كلَّ حينٍ بِقُربِهــــا.. ولكِنّما الدَّهرُ اللَّئيمُ مُفَـــــــــــرِّقُ

يا واهب القلب

ياواهبَ القلبَ أضنت قلبَكَ النُّوبُ ..وفي حَناياكَ صوتُ الآهِ يَنتَحِـــبُ
تُلَملِمُ الصَّبرَ تَسْتَجديهِ من وَجَــعٍ .. ونارُ حُزنِكَ في جَنبَيكَ تَلتَهِــــــبُ
بِكَ استَبَدَّت خيولُ الهَمِّ جـامِحَــةً..تَدُكُّ عُمرَكَ قَسراً حينَ تصطَخِــبُ
تَعُدُّهُنَّ تَواريخاً مَـضَينَ سُـــــــدىً…سنينَ جَدبٍ عَلاها الكَدُّ والتَعَــبُ
عَدَّنْ سِراعاً وما أبقَينَ بارِقَــــــــةً ..كَأَنَّهُنَّ فُؤوسٌ فيكَ تَحتَطِــــــــبُ
يبابُ روحِكَ من وَهمٍ تُرَمِّمُــــــــهُ .. وَكُلَّما رُمتَ بُعداً عَنهُ يَقتَــــــــرِبُ
تُسابقُ العمرَ والخمسون في وَهَنٍ .. أما كفاكَ لُهاثَاً أيُّها التَعِــــــــــــــبُ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار