رافد القريشي … الإيمان الذي لا يحسُّ به سواه إنما هو خسارة تلفّ غيره

دراسة نقدية

0 5

يضع شاعرنا رافد عزيز القريشي المرآة أمام ذاته وينظر إليها بكلِّ شكواه الموضوعية بجرأة وحدّة متلازمتين معا في الوقت نفسه , والشكوى , هي ما نلمحها جليا في موضوعة شاعرنا القريشي بجهارية لهكذا نوع من الألم فيخاطب أمسه :-
( ما زلت…تسقي وحدتي خمرا ..والطير تأكل ذا الحشا جهرا )
فتستمر شكواه الفائرة بما لديه من مخزون صوري ولحنيًّ يكادان يشبهان التوسلات فيقول :-
(ما زلت تسقي .. ، ما زلت تفتي ..، انسيت ذكري ..، وأكلت بعضي ..، وسنابلي .. ، أنا من زرعت الودَّ ..، وخزائني ..، أوفيت كيلي .. ، يا أيها المقدود)
حتّى استوفى شكواه تلك ووصل بها إلى ذروتها من خلال أسئلة لم يجد لها شاعرنا
اجابات مقنعة ، اعتمدت التصوير والخطاب الحسّي مشحونة بخواطر ابتدأت ولا تكاد لا تنتهي ، فارتقى بها شاعرنا ارتقاء الطير ورفدها (وشاعرنا اسم على مسمى ) برؤية لم تستبطن التشويش ولم تَستحكِم اطارها بغير احكام الاتزان الذي قد يعاب عليه شاعرنا .
وتستمر تساؤلاته المُرّة (هل بت خوفا …، هل زدت كيل ….) وهو يبكي على ما فاته قهراً ، حتّى إذا ابيض نزف روحه من وجعه ، حلّت تلك الصحوة التي رأى من خلالها ذاته كما المرآة ، فملامح الأسى ما زالت تتصارع لديه ولا تتلاقى بوشيجة يلمس فيها شاعرنا أملاً مرتقباً لا غير .
وتكاد تكون هذه التجربة لشاعرنا جديدة عليه رغم غناها معنىً وصورة وأداء وعزفاً ساكسفونياً عالي التقنية ، وفي الوقت نفسه يعاني جراحات أوحى لها ذئبه أمراً ، مستوحياً من القصص القرآني الكريم رمزياته المتنوعة والثرية .
وهذه الصورة هي الفياضة بالحيوية والحركة الآسرة لشخصية شاعرنا بألفاظ سلسة تكاد تبدو … فتلينُ لها جماحنا المرتقبة لكلِّ جديد عند شاعرنا الذي لا تطيب له الحياة إلا ببث الشكوى بذر ومن الحزن بما جعل شبح الحرمان هذا ينصهر في نار بوتقته لتطلَّ قصيدته علينا وكأنها النبع من بئرٍ هائلةِ الغور ، ينزع من خلالها وصفا حسّياً غلفتْه كثير من أدواته الرمزية التي لا تكون قادرة على احتواء آلام روحه المتعبة وجسده الكليل الذي أضناه كاس السقم مُرّا …..
وخلاصة الأمر , إنَّ شاعرنا بقدر عدم رضاه عن تلكم اللوعة التي أصابت حرث حياته ، و عدم قناعته بتلك القسوة ، فهو بذلك القدر راضٍ عن ذلكم الحجم الكبير من العطاء الذي ألهمه ذلك الحرمان والسقم، ما أشبعَ قراءَه ومتتبعيه ، بحثاً عن وجودٍ زَهُدَ هو فيه قبل غيره .

جدلية القريشي
عند تساؤل وجيه … هل يحقُّ لشاعرنا القريشي أن يتوقع منا أن نعرف ركنه الخاص به في عالمه الجدليّ هذا ؟
أم إنه يتوقع منا أن ننظر إلى الأشياء بعينيه الغامضتين إن استطعنا أن ندرك محيطه الشعري وأن نكتشف نوع الشعر الذي يخطه بسوائل مراياه وعقله المخمر، واللذين كانا هما الأرضية الصلبة التي عرض شعره علينا ، فأوجزها رزايا ، وظلاً ، وأوهاماً ، وخطايا زرعها في كلِّ زاوية من زوايا جدليّته ، بدمعٍ راودهُ ، وحزنٍ سكبهُ ، وجهلٍ افتُرِيَ به عليه .
وتلك , هي الحقيقة الساطعة التي وجدناها في غموض قد توكّد في كلِّ بيت من شعر القريشي ، وفي نغمات ضبابية حضرت ، حتّى أخذ يشدّ على أوتار قلبه ، ويجادل نفسه كلَّما قال قائلُ ، حاملاً تيه الرزايا التي اتسم بها ، فشاعرنا حاضر في ذهنه القديس ، وروحه التي لا جسد لها إلا الحزن الماثل ، والشرود الذائع ، والنقائض التي تزيّا بها ما بين وفاءٍ مستديم ، وكذبٍ يظنَّه محضاً ، وما بين عفة حاضرة ، ونفاقٍ يزدريه ، وما بين إفكٍ عَمّ طوفاناً ، وعدلٍ لا يجدي حينها نفعاً ، وما بين باطلٍ يثويه حين لا يسود حقٌّ فلا يأمنه من خوفٍ أو جوع .
كلُّ تلك الجدلية المبهَمة … كانت سفسطةً لأحلام القريشي ، أثرت به ، وصنعته كلمةً بيّنة ، وإيحاءً جليّاً ، وتصوراً معلَناً ضمن مدياتٍ غير ساكنة في قالبه الشعري ، حيث استُلّ من واقع الحواس والجسد ، وأغرِزَ في صور الغفلة والرياء، فقبره البارد في رملهِ قد أمدّه بروحٍ لا تجفل ، وذاتٍ أحجمت عن لذَّةِ الكلام إلى عفَّةِ الصمت .
والقريشي . رحالة متجول لا يدّعي أنه اكتشف شعراً مغايراً ، بقدر ما يعترف أنه فتح على نفسه نمطاً من الريبة والتوجس ، وأن الإيمان الذي لا يحسُّ به سواه إنما هو خسارة تلفّ غيره ، فيتوارى شاعرنا المسكين مختفياً في سفسطة أحلامه ، يبوح بسحره الدافئ المشوّق وهو يُصغي إلى أنغام عودهِ على شطآن خوفه ، بصوت يكاد يكون مخبوءاً ، يتردد صداه عالياً بين حزنٍ ووجعٍ مسربلينِ في صمتِ ليلهِ الكئيب .

جدل ،،،
أجادل نفسي..كلما قالَ قائلُ..وأحملُ تيهاً ..للرزايا يجادلُ
أخمرُ عقلاً ..كان بالظلِّ يحتفي..وأرسم وهماً أرهقتهُ القلاقلُ
أفتشُ عني..في خطايايَ علّني أراني بوجهي والمرايا سوائلُ
يراودني دمعٌ ..وخدّي ممزقٌ..ويَسكبُني حزنٌ..وذا الحزن ماثلُ
ويجهلني يحيا..بِمنفايَ سيرهُ..ومن قال إني ..في منافيَ جاهلُ
تركتُ حياتي قاب قوسين تختفي ..وذعتُ شروداً بالخفايا يباهلُ
ومزقتُ ليلي..في قناعٍ لبستهُ..ومنزلُ فجري…ترتديه المنازلُ
أنا محضُ كذبٍ والمراؤون أخوتي..نشرتُ نفاقي حيثما مالَ مائلُ
أنا ألف موتٍ ..كَسَرَ اللحدُّ أضلعي..وما زلتُ أحكي..أن مثواي غافلُ
وما زال قبري يشربُ الماءَ رملهُ..ويبعثُ أفكي حين يثويه باطلُ
يناقضني بعضي…وبعضي أُعدهُ…لنافذةٍ فيها…تصول العواذلُ
ويحملني خوفي لشطأنِ خوفهِ..ويورثني أمساً شحوباً يماطلُ
ويعرفني صوتي..بأني من أنتهى ..يُسفسطُ أحلاماً ..بها الأفكُ عادلُ

أنا وأمسي
ما زلتَ …تسقي وحدتي خمرا..والطيرُ تأكلُ ذا الحشا جهرا
ما زلتَ ..تفتي والرؤى سهدتْ..والحلمُ يندبُ في الردى وطرا
أنسيتَ ذكري..حين جنَّ غدي ..فَلبثتُ بضعاً خلتها دهرا
وأكلتْ بعضي..حين كورَني ..ذاك َ الذي بعجافهِ أسرى..وسنابلي
ما عاد يحصدها ..إلا سراباً للبلا أجرى..حتى أنحنيتُ ..وكان منقلبي
يهدي لأضلاع ..المسا عسرا..والقاطعاتُ الكفِ من كِبرٍ
أرسلنَ سكينَ الغوى قسرا
أَجَجنَ..في القضبان أوردتي..ونهلنَّ من سجن الهوى جمرا
أغلّقنَ أبواب السنا دأباً…وذَرَونَ من كيدِ النسا سحرا
أنا من زرعتُ الودَ في رئتي..راودتُ سوءي والنوى عمرا
وخزائني…بالريح قد ملئت..أغلقتها حتى غدتْ جحرا
أوفيتُ كيليَ ..للجوى نزلا..وجعلتُ في رحلِ السما أزرا
يا أيها المقدودُ..في زمني…هل بتَّ خوفاً ترسمُ البشرى
هل زدتَ كيل العير من ألمي..ووضعتَ كأسَ السقمِ والمرّا
أذنتَ بين الجمعِ من عِلَلّي .وسرقتَ من ملكَ الجوى حجرا
فتشتَ ..قبل الموت أوعيتي ..ثم ارتحلتَ إلى الخفا سرا
وتركتني ..يا أمس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار