مقدمة وقراءة لكتاب عابر أحلام للكاتب سامر المعاني

ينقل قلق الواقع الحياتي المعاش ، بإثارة أسئلة الحيرة القلق عند القارئ

0 21

كثيرة هي أسئلة الحيرة والدهشة عند الأطفال ، قليلة إجاباتها ، نسبر أعماق أرواحنا ، علّنا نجد لها بعض الإجابات ، فتزداد حيرتنا ، ويزداد فينا قلق السؤال . فما بين قلق السؤال ، ودهشة الإجابة ، تزداد الحيرة فينا حين نبوح فيها ، ويزداد قلق الجواب حين لا تجد الطفولة أجابات مقنعة ، ترضى غرور البحث وحب الاستطلاع ، لتظل معه حتى يكبر ويصبح رجلا شابا ، وكهلا هرما ، لا يجد ما يرضي غروره ـ إلا إقناع نفسه بأنه قد وجد الإجابة غير المقنعة له تماما ، أو ربما تشغله الحياة بأسئلة محيّرة له أكثر من أسئلة سبقتها .
دوران الأسئلة هذه ، تجدها كثيرة في هذه المجموعة عند سامر المعاني ، حين ينقل قلق الواقع الحياتي المعاش ، بإثارة أسئلة الحيرة القلق عند القارئ ، وإتي أخال المعاني يقول لنفسه ةقت كتابة إحدى قصصه مبتسما ، إنهض أيها القاريء من فراشك ، فلا تكن خاملا ، فقصص المجموعة تحمل الكثير من قنابل الأسئلة الموقوتة ، وعليك الحذر في حقل الألغام من الأسئلة ، ولن تُكتب لك النجاة ، إن أخطأت خطأ واحدا ، ولا خطأ أمامك بالهروب ، وعليك مواجهة الواقع .
سامر المعاني يكتب القصة القصيرة والقصيرة جدا ، فيصر على التفرد في شقي ما يكتبه سواء القصة القصيرة أو القصيرة جدا ، فملاذه نبش ذاكرة الطفولة ، فالطفل بطل قصته طفل عادي ، نراه في الشوارع الترابية ، وفي الحارات القديمة التي تفوح منها بطولات الأجداد ، ورائحة عرق الأباء في الحقل ، أو في رعي الأغنام ، تتلقفها حيرة الطفولة ، ما بين حكايات الأجداد وبطولاتهم ، وما بين تعب الآباء وعرقهم الذي يروي تراب الحقل ، وقلق مستقبل الأبناء نحو غدهم .
(حتى اقتربنا من جسر المدينة القريبة من قريتنا ، كنت اجلس بجانب السائق ،أتمتم أغاني أعراس أهل حوران طرباً وعنفواناً , تضحك على شفتي فرحةُ الانطلاق فرحة المشاركة والمتعة , وفرحةٌ للقاء والدي ووالدتي في العودة.) .
القصة عادية جدا ، عادية الشخوص ، التصاق القصة بالمكان التصاق الثوب من الجسد . المكان حوران إربد شمال الأردن وجنوب سوريا طفل يذهب في رحلة مدرسية .
القصة عادية تحدث في كل زمان ومكان ، وليست حكرا في حوران ، لكن اختياره لحوران لم يكن عبثيا ، حيث أن حوران منطقة زراعية خصبة ، من هنا يبدأ المعاني التمهيد في إعداد المتلقي وإيقاظه من جمالية السرد والوصف والخيال ، لما هو قادم ، وفجأة ينقل القاري لسؤال الدهشة أولا : (نعم إنه هو ! بلا شك هو … ) هنا يبدأ سؤال الحيرة عند المتلقي . وتبدأ الحرفية والمهارة عند المعاني ليلغب على وتر التشويق والجذب . يواصل إلى السرد والوصف من جديد
( يبدو عليه التعب من انحناء ظهره ، يرفع يديه كي يصعد في الباص ، يتمنى أن ينال الراحة في أقرب وقت ، ويحكي للمقاعد سرّ جسده المبتلّ عرقاً وعظامه الشاكية من صدمات الإرهاق في ذلك الجانب وتمزق بالجانب الآخر . يريد أن يصل يريد أن يريح جسده وأصابعه من فرط العناء والإرهاق . يريد أن يمسح تراكم زخات العرق وعطش الشفاه المتعبة والعيون المعتصرة تريد أن تنام .) .. نلاحظ هنا الانتقال من حالة الطفل ، إلى حالة الرجل الهرم المتعب من عناء الحياة وكدّها ، فيثير حيرة المتلقي عمن يكون هذا الرجل المتعب ، الذي يجد الراحة في الصعود إلى الباص ، ويريح جسده المنهك المتعب ؟ وبحرفية يعود المعاني بالقطع السينمائي إلى الطفل الذي يتمنى أن يوقف سائق الباص حافلته كي يصعد الرجل . يظل الطفل في رجاء وتوسل داخلي ، أن يستمع السائق لهمس روح الطفل وتمنيه بأن يتوقف السائق . لكنه لا يفعل . فيزداد غضب الطفل ويكتم غضبه ، وتزداد الدهشة والحيرة عند المتلقي ، أهو أب للطفل ؟ جاره ؟ قريبه ؟ أم هو مجرد إشفاق من الطفل على الرجل ؟. يّمعن سامر في جذب المتلقي حتى الرمق الأخير ، حين تتم المراوغة بين المعاني والمتلقي ( طأطأت رأسي وكأنّ الدنيا تحمل نعش انكساري بدموعٍ مِن صُنع الرثاء, وأخذتني أقدامي إلى آخرِ المقاعد أبكي وجعي. خبأت رأسي بين يدي حتى وصلتْ .
أصبح وجع الأنين يرهقني في صمت حزني. أحملُ كراهيةً لذلك السائق الغبي ) . لماذا تخلى الطفل عن مقعده بجانب السائق ، إلى المقعد الأخير ؟ هل يتعمد المعاني بإيحاء ورمزية عالية ، أن يشي بموقف سياسي من الحياة ؟ السائق ورمزيته ، الطفل بجانب السائق ، ولما لم يّحقق السائق ( المسؤول ) ، رغبة الجالس جواره وتخليه عنه وعن تحقيق رغبته ، عاد إلى المقاعد الخلفية وانحاز إلى الشعب ؟ ربما .
يصل سامر في قصته هذه المسماة أنين الصمت ، إلى كسر حاجز التوقع عند المتلقي في خاتمة القصة ، ليكون الجواب أن الرجل الهرم ليس أبا الطفل ، بل كان الرجل كل الآباء ، وأب لكل الاطفال ، ومالها من دلالات تترك المتلقي في حيرة ، وربما يعود لقراءة القصة مرّة أخرى ومن جديد .

نبض القصة القصيرة جدا
كثير من الروائيين والقاصين والشعراء ، لجأ في الآونة الأخيرة الكتابة في القصة القصيرة جدا ، نتيجة لظروف حتمية فرضتها ظروف إبداعية حينا ، وظروف أخرى ترتبط بمزاجية المتلقي حينا ، والناتجة على صعوبة الحياة الاقتصادية والمعيشة ، وعدم توفر الوقت الكافي لقراءة رواية أو وقصة طويلة ورقيا ، أمام ما توفره صفحات التواصل من سرعة توفر المعلومة ، في وقت قصير ، وكلفة أقل .
أيا كانت الظروف المؤدية والمشجعة على كتابة القصة القصيرة جدا ، نجد هناك تفاوتا واضحا في فنيّة وصنعة كتابة مثل هذا النوع من القصص ، ففي الوقت الذي كان حجم القصة القصيرة جدا ، ممن ساهموا في تطور كتابة القصة القصيرة جدا ، أمثال زكريا تامر ومحمود شقير في حدود صفحة ورقية واحدة من الحجم المتوسط ، أو بما يقل عن مائة كلمة ، نجد تقلص عدد الكلمات ، والتخلي عن كثير من الوصف والسرد ، حتى نالت وصف اشتعال عود ثقاب يشتعل ليضيء ثم ينطفئ سريعا . وبهذا أصبحت القصة تنحصر في سطرين أو ثلاثة أسطر ، متخذة خصائص وميزات وعناصر وأركان القصة بشكلها الشمولي ، من بداية وعقدة وخاتمة ، ( محمد مشّه ) ، وغيره منذ بداية التسعينات في القرن الماضي .
وفي بداية القرن الحالي ، بدأ ما يظهر باسم قصة الهايكو ، وهنا قد يتكون كثير من الإشكاليات والأسئلة ، حول هذا النوع من كتابة الهايكو ، لا مجال لذكرها ألان.
سامر المعاني وهو القاص المعروف ، لجأ هو الآخر لكتابة القصة القصيرة جدا ، عن قناعة واقتدار ، حيث بدأنا نلمح عنده نقد الواقع المعاش ، مستخدما الكوميديا السوداء في كثير من قصصه القصيرة جدا . فلو أخذنا قصة قصيرة جدا واحدة مما كتب ، لوجدنا فيها الكثير مما يمكن قوله .

نفاق
انقطع التيار الكهربائي فجأة . بقي كل شخص في مكانه لكن الوجوه تعددت وهم يشتمون ويلعنون المكان ورواده والقائمين على هذا النشاط وبعد عودة النور وجدوا صديقهم المشرف بينهم يضحك ضحكة استمرت حتى خروجهم من المكان وتأجل النشاط لأشعار آخر

قوالب
في يديه صفحتين من الورق كان يقف على بوابة المسرح يريد ان يخبرها انه كتب لها قراءة جميلة بعد ان مكث ثلاثة ايام بين تحضيرها والكتابة عنها ليطول به الوقت وهو ينتظر حتى وجد كاتبة اخرى توقع لبعض الحضور اصدارها وبعد ان وقعت له ووسمته بالناقد الكبير قال لها لو سمحتي رقمك سأرسل لك قراءة في كتابك اليوم …
وحين تعذر وصول الكاتبة قام بتغيير اسمها واسم المؤلف وارسلها للكاتبة التي لم يحفظ بعد اسم كتابها …. ) .
في هاتين القصتين نجد فيهما الكثير من النقد اللاذع ، لمجتمع المثقفين ، يثير فيها الاستغراب والدهشة ، في مجتمع يفترض فيه السمو والرفعة ، نجد المعاني يصفه بالنفاق والشيزوفرانيا أحيانا أخرى ، ففي القصة الأولى الموسومة بنفاق ، نجد الصديق المتظاهر بالصداقة والثقافة ، يكون ( خرائبيا ) للثقافة ، معكرا صفو الأمسية ، بقطع التيار الكهرباء ، لما في الكهرباء من دلالة النور الثقافي الساعي لنشره في المجتمع ، إلى ظلامية المجتمع وتجهيله ، وحين يعود التيار الكهربائي من جديد ، نجد المنافق ( الصديق ) ، يظهر ابتسامته وسعادته من جديد ، بعودة نور الكهرباء نفاقا . وعلى حد سواء كان مسؤولا عن انقطاع التيار الكهربائي ، أو مساهما في انقطاع التيار .
أما في قصة قوالب ، فنجد المعاني يصر على فضح النفاق الثقافي ، والذي بات يقتحم النقد الأدبي من بعض من لا علاقة لهم بالنقد . فيعمد المعاني الإشارة للحذر من مقتحمي عالم النقد الأدبي ، ولاهمّ لهم سوى إرضاء الكاتب ، سواء لهدف شخصي ، أو البحث عن شهرة زائفة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار