شعوب وقبائل ليبية عاصرت مصر الفرعونية

وفق التجمعات والأماكن والأدوات والملابس

0 4

ترصد “الـمغرب الأوسط” كل حين مقالات الكُتاب في مجالات الفكر والفلسفة والدِّين والتاريخ والاستشراف والقانون والنشر والإعلام والصحافة والتربية والتعليم والأدب والترجمة والنقد والثقافة والفن وغيرها، وتنشرها تكريما لهم، وبهدف متابعة النقاد لها وقراءتها ثانية بأدواتهم، ولاطلاع القراء الكرام على ما تجود به العقول من فكر متوازن ذي متعة ومنفعة.

….صورة الليبيين في المصادر المصرية
بقلم: الأستاذ عبد الرزاق دهني

تعد المصادر المصرية من أقدم المصادر التي أشارت إلى الليبيين، وهذا في إطار حديثها عن المجريات السياسية والعسكرية لمصر، حيث كان الليبيون طرفا فيها، وخلال هذا قدمت لنا معلومات مهمة عن الليبيين تشملأسماء تجمعاتهم ومناطقهم وأدواتهم وملابسهم، كما أنها عرفتنا ببعض الشخصيات الليبية.
حاول الباحث “باتس”أن يضع قائمة بأسماء الشعوب والقبائل الليبية التي عاصرت مصر الفرعونية فقسمها إلى أربع مجموعات كبرى هي “التحنو”و”التمحو”و”الريبو” و”المشوش” وإلى مجموعة من القبائل الصغرى أحصاها على النحو الآتي: “إيموقهق”و”قهق”و”كيكش” و”أسبت”و”القبت”و”شاي”و”هش” و”بكن”، وقد اعتمد في هذا التقسيم علىدور كل قبيلة في مجريات الأحداث والمساحة التي شغلتها وعلى عدد المرات التي ذكرت في هذه المصادر 1.

1 – التحنو: (Tehenu)
عثر في جبل العركي مقابل نجع حمادي في مصر على مقبض عاجي لسكين مؤرخ بحوالي الألف الرابعة ق.م يمثل معركة برية بحرية 2،ويصور رجالا بصفات اعتبرها المؤرخون مميزة لليبيين القدماء،ذلك أن أزياءهم تشبه إلى حد كبير أزياء الليبيين المعاصرين لهم التي حفظتها النقوش الصخرية للطاسيلي وفزان والمؤرخة بعصر الرعاة (ما بين الألف السادسة ومنتصف الرابعة ق.م)،كما لا يستبعد أن تكون السفن الممثلة في هذه اللوحة تنتمي إلى مجموعة السفن الخاصة بالسواحل الشمالية الغربية لمصر والمتاخمة للحدود الليبية 3.
كما عثر على لوحة في “أبيدوس” تعود إلى عهد الملك العقرب4 تحمل علامة تصويرية تعتبر من أقدم العلامات الهيروغليفية الدالة على “التحنو”5 وتصور هذه اللوحة أسلابا أحضرت من بلاد التحنو6،ففي أحد وجهي اللوحة صور الفنان ثيرانا وحميرا وخرافا، أما في نهاية اللوحة من الأسفل فأشجار يعتقد بعض الباحثين أنها أشجار من زيتون، وإلى جانب الأشجار علامة التي تعني أرض الليبيين المعروفين باسم (تحنو)، أراد من خلالها الملك العقرب أن يخلد انتصاره على جيران مصر الغربيين7، ليتكرر اسم التحنو على أسطوانة من العاج تعود إلى عهد الملك “مينا – نعرمر”8 (الأسرة الأولى 3200ق.م ) تعرف بلوحة التوحيدتصورالملك”نعرمر”وهو يضرب مجموعة من الأسرى المكبلين نقش أمامهم اسم “تحنو” ولكن بكتابة مختلفة إلى حد ما عن تلك الكتابة الموجودة على أثر الملك العقرب 9 في حين أشار حجر بالرموللتحنومن خلال حملة قادها سنيفرو مؤسس الأسرة الرابعة ضدهم وأسر منهم 11ألف أسير وغنم 13 ألف رأس ماشية10.
لعل أهم النصوص التي تحدثت عن التحنو هي نقوشالملك سحورع11 والقائد “وني أو سررع”من الأسرة الخامسة(2563-2423 ق.م)التي حفظتها جدران معبد”أبو صير”، إذ تضمنت احد نقوش “سحورع” صور أسرى مكبلين سجل من فوقهم عبارة “بكت وباش” وهما إقليمان في بلاد التحنو، إضافة إلى صور الثيران والحمير والكباشوالماعز، واحتفظت نقوش الملك (منتوحتب) من الأسرة الحادية عشرة بتسمية التحنو12، ليستمراستعمال كلمة “تحنو” في عهد الدولة الوسطى خاصة أثناء الأسرة الثانية عشرة(1778-1625 ق.م) 13، أما في فترة الدولة الحديثة ذكر “تحنو” في رسومات معبد الكرنك 14التي ترجع إلى الأسرة التاسعة عشرة (1304-1195 ق.م)، من عهدالفرعون “سيتى الأول 15 التي تشير إلى هجمات خطِرة قامت بها قبائل التحنو،كما أشير إلى مثل هذه الهجمات أيضا في عهد رمسيس الثانى على نقشين، عثر على أحدهما في معبد “بيت الوالي 16 والآخر في معبد “أبى سمبل” 17، والنقشان يتحدثان عن صد هجمات قبائل التحنو 18 كما يوجد نص يعود للملك مرنبتاح19 بالكرنك يقول:”… انقض رئيسالليبو على إقليم تحنو بأكمله ..”، وذكرت كذلك في نصوص رمسيس الثالث 20 حيث يقول:”…وانقض المشواش على التحنو وأصبحوا رمادا ولم يعد لهم وجود.” 21.
تسمح هذه النصوص والنقوش بالتعرف على السمات الفيزيولوجية المميزة للتحنو وشكل ملابسهم، يظهر الرجال والنساء في هذه الصور طوال القامة، سمر البشرة ذوو شعر أسود طويل متموج ينسدل إلى الخلف في شكل جدائل كثيفة تتدلى إلى ما فوق الكتف وتنتصب فوق الجبهةخصلة من الشعر ربما كانت نوعا من الزينة ويشبهها البعض بالصل المقدس الذي يبدو منتصبا فوق جبهة الفرعون المصري ليحميه حسب اعتقادهم من شر الأعداء،وتبدو وجوههم نحيفة بارزة الوجناتوشفاههم غليظة يتميز الرجال بلحية قصيرة تحدد شكل الفم 22،وهي صفات تميزهم عن غيرهم من القبائل الليبية، يظهر ذلك بشكل خاص في المنظر المصور على جدران المعبد الجنائزي للملك ساحورع (2444-2432 ق.م) يظهر “تحنو”بأزواجهم وأولادهم وهم سمر الوجوه كالمصريين 23، وهذا التشابه الموجود بينهم وبين المصرين في لون البشرة مثلا لا يعني ذلك أنهم ليسوا ليبيين،خاصة وأن الأبحاث أشارت إلى سكان وسط الصحراء وفزان يحملون صفات أثيوبية ومنها اللون الأسمر، كما أن النصوص المتأخرة ذكرت أن الجرمنت (قبيلة ليبية ذكرها هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد) سود نوعا ما، كما ذكر “ديودور الصقلي” أن قائدا من أتباع “أخاتوكليس” (أواخر القرن الرابع ق.م) أخضع قبيلة في شمال تونس، لونهم يشبه الأثيوبيين 24.
يرتدي الرجال والنساء ملابس موحدة تتكون من شريطين عريضين من الجلديتقاطعان عند الصدر إضافة إلى حزام مزين بخطوط عمودية وأفقية ينتهي من الأمامبقرب العورة ويحيط بالرقبة بنيقة مرتفعة تنزل منها بعض الأشرطة،وعادة ما يتزينالرجال بذيل حيوان.
لا يستبعد أن تكون هذه الملابس ذات علاقة بالأغراض السحرية،كونها ليس لبسا يقي الجسم من تقلبات الجو 25، وهذا التشابه بين ملابس التحنو وملابس ملوك مصر جعل بعض الباحثينيرون بأن المصريين من أصل ليبي، وأنهم وفدوا على واد النيل باعتبارهم صيادين ورعاة ثم تحولوا إلى مزارعين مستقرين، في حين استند البعض الآخر على التشابه بين الطرفين في لون البشرة وطبيعة الشعر للقول بأن التحنو من أصل مصري، كانوا يقيمون في الوجه البحري ثم هاجروا ثم إلىالغرب،والمعروف أن أرض التحنو تقع إلى الغرب من مصر اعتمادا على ما جاء من نقوش تعود للملكسحورعو”تحتمس الثالث” 26 و”أمنحوتبالثالث” والفرعون “سيتي الأول”، لكن تحديد موقعها بدقة يصطدم بعدة نظريات.
هناك من يرى أن اسم”تحنو”يطلق غالبا على المكان الذي يجلب منه النظرون (الذي كان يستعمل في مصر القديمة لطلاء الخزف والزجاج) وبذلك تكون هذه المنطقة موطنهم، وآخرون ومن بينهم “بيتس” (Bates)يرون أن إقليم تحنو كان يشمل أيضا بقاعا خصبة غربي وادي النيلولعل هذه المنطقة هي الفيوم إضافة إلى واحات أخرى، لأن منطقة النظرون هي بقعة صحراوية لا تكفي خيراتها عددا كبيرا من الناس 27.
أما أحمد فخري فقد وافق “باتس” في كون منطقة النظرون ليست مركزا للتحنو كونها فقيرة من حيث الموارد، لكنه استبعد أن تكون منطقة الفيوم موطنهم لأن هذه الأخيرة كان ينظر إليها منذ بداية التاريخ المصري إحدى الأقاليم المصرية، وأن استقرار التحنو من المحتمل أن يكون في”واحة سوة” و”واحة البحرية”و”مريوط” ومنطقة “برقة”خاصة وأن أشجار الزيتون كانت تنتشر بكثرة في “مريوط وبرقة ” لذي سمى المصريون هذا الإقليم باسم شجرة غير مألوفة عندهم “أرض الزيتون” التي كان يقطنها التحنو 28.

2- تمحوtmehu
خلال الألف الثالثة قبل الميلاد تعرف المصريون على جماعة عرقية جديدة عرفوا باسم “التمحو”، ورد اسمهم في عهد الملك “ببي الأول 29، إذ ذكر قائد جيشه “وني” في نقوش مقبرته في أبيدوس، أنه قاد جيشا ضد بدو آسيا وأن هذا الجيش كان يضم عشرات الآلاف من الجنود من شتى أنحاء الجنوب من النوبيين (إيرثتومجايويام وواوات كاو)، ومن بلاد التمحو 30.ثم جاء ذكرهم بعد ذلك في عهد الملك “مرنرع الأول31 من ملوك هذه الأسرة دائما في النقوش التي خلفها الرحالة “حرخوف” 32 على قبره في الفنتين جنوب مصر التي قص فيها رحلته الاستكشافية الثانية إلى أرض “يام” جنوب “وادي حلفا” وقال فيها أنه وصل حتى أرض التمحو إلى الغرب من جنوب أرض “حلفا” وقد اتصل بالتمحو مرة ثانية في رحلته الثالثة إلى درب الأربعين: «… وأرسلني جلالته إلى بلاد “يام”للمرة الثالثة وصعدت انطلاقا من إقليم “ثني” (أبيدوس) عند طريق الواحة واكتشفت أن زعيم بلاد “يام” قد رحل إلى بلاد تمحو ليعاقبهم وذهب بعيدا حتى الركن الغربي من السماءوصعدت في أعقابه إلى بلاد تمحو وأقرت فيها السلام..»ويبدو أن هدفه كان بلوغ دارفور، ليروي بعد ذلك أطوار الحرب التي دارت بين قبيلة أيام وقبائل التمحو 33.
كما جاء اسمهم في قصة “سنوهي 34 التي يعود تاريخها إلى بداية الأسرة الثانية عشر، وفي نص آخر لموظف يدعى”خعوى” من عهد سنوسرت الثالث (1878-1842 ق.م) 35، كما ورد اسمهم في مسلة مهداة من القائد “راموزي” إلى الملك “رمسيس الثاني 36، واستمر ذكرهم في المصادر المصرية إلى غاية الدولة الحديثة 37.
أما ما تعلق ببلاد تمحو فقد تضاربت الآراء في تحديدها، هناك من يرى أن “يام” التي ذكرها “حرخوف” تقع بالقرب من مجرى النيل على مستوى الشلال الثاني وأن بلاد التمحو تنتشر في طريق الواحات غرب النيل حتى واحة سليمة 38، أما(Bates) فيرى أن بلاد تمحو هي واحتي دكرورودنقلا، لأنهما تقعان في مسار طريق “حرخوف” الذي انطلق من أبيدوس عن طرق الواحة الخارجة ثم نزل إلى بلاد يام فوجد أن أميرها قد خرج إلى ركن السماء الغربي أي دنقلاودكرور 39.
ذكرت “عقون” أن واحة دنقلا ليست واحة التمحو، بل هي بلاد”يام” نفسها، أما بلاد التمحو فتقع شمالا في المنخفض الغربي من واحة الداخلة، ثم نزلوا بعد ذلك جنوبا باتجاه الأراضي التابعة لبلاد “يام”، بدليل أن هناك آثارا مصرية أخرى توحي لنا أن بلاد تمحو تقع بالجنوب، حيث عثر على مسلة بـبهو معبد رمسيس الثاني بوادي السبوع بالنوبة كتب عليها أن ملكه أمر في العام الرابع والأربعين نائبه في كوشي ليحمل برجاله ليقبض على التمحو وأخذهم للعمل في معبد آمون 40.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار