الإمام الأثري شمعة أضاءت المسجد النبوي بالمدينة وباكستان

"الـمغرب الأوسط" ترصد مقالات أهل القلم

0 5

ترصد “الـمغرب الأوسط” كل حين مقالات الكُتاب في مجالات الفكر والفلسفة والدِّين والتاريخ والاستشراف والقانون والنشر والإعلام والصحافة والتربية والتعليم والأدب والترجمة والنقد والثقافة والفن وغيرها، وتنشرها تكريما لهم، وبهدف متابعة النقاد لها وقراءتها ثانية بأدواتهم، ولاطلاع القراء الكرام على ما تجود به العقول من فكر متوازن ذي متعة ومنفعة.

 

..ترجمة حياة الشيخ عبد الكريم بن الـمراد الأثري

بقلم: الأستاذ أسد الله مير الحسني

 

 

من المقطوع أن أصقاع الجهالاوان في بلوشستان منبت رجال عباقر فحول جهابذ، ومنبع شخصيات فطاحل صانعي التاريخ علما عملا ثقافة حضارة، دبلوموسيا، واجتماعيا، ومناطقها القاسية والدانية الخصبة الخضرة من “وده‍” شهيرة لأجل الشخصيات الرفيعة ولأولياء كل فين الذين حبروها تحبيرا كالغابر في الحقبة الراهنة.

وأيضا من منن الله على إقليم بلوشستان خاصة وعلى سائر الباكستان والعالم بأسرها عامة، أن قيض الله لأهاليها نوابغ أفذاذ من العلماء من بلوشستان الذين قاموا حق قيام بإقامة الدين المتين، والذود عن حياضه وحرمه لا ند له ولا نظير له، وتميزوا بمكانتهم المرموقة الممتازة في الإحسان والمعروف، وتزكية النفوس إلى أن ميزوا البون بين الحابل والنابل، والغث والثمين، والقشر واللب، فهم حقا رهبان الليل وفرسان النهار.

 

…. الشيخ عبد الكريم بن المراد الأثري:

ومنهم الحبر القمقام، النحرير الطمطام، الكريم الهلقام، الملك الهمام، المعروف بين الأنام فضيلة الشيخ عبد الكريم بن المراد الأثري -عليه الرحمة والرضوان- الذي ازداد في صيتها وعرضها في القرن الحاضر الحرج، ولا يحتاج محمود خصال شخصيته إلى أن أعرفكم عليه، ولو وددنا التعرف لعجزنا عن تدوين شمائله و تنميق سجاياه .

ولله در القائل حين يقول:

لا يدرك الواصف المطري خصائصه … وإن يك سابقا في كل ما وصفا

 

لكن إعمالا لما قيل: ” ما لا يُدرَكُ كُلُّه لا يُترَكُ جُلُّه”.. فتقدم معي ألفت أنظارك إلى شخصيته الرقراقة البراقة في دياجير الملوين.

كان الشيخ بحرا ذخارا وغيثا مدرارا، مالك أزمة التحقيق، حامل رايات التدقيق، أكمل ممن لم الكمالات الملكية وفاق، أفضل ممن نشر الفضائل الإنسية في الآفاق، وكان له يد طولَى وقدم راسخة وخبرة سامقة في مجال التدريس ومضمار الإفادة وحلبة الاتعاظ.

 

..مولده  و حياته :

 

كان مسقط رأسه وإلف صباه “الميهاندر” من جهات أقطار “وده” محكمة مال مديرية الخضدار .

اسم أبيه وأسرته: وكان اسم والده “مراد علي” الذي كان منوطا بأسرة “المنجيزئي” من عشيرة “اللهري”..  أجل كان مصره كابرا عن كابر”المولي” وقد مضى والده لسبيله في نعومة أظفاره وحديث سنه.

ظروف أسرته:   ولو كانت هذه الكتيبة السعيدة صعلوكة حسب الثروة والميراث، ولكنها كانت غنية -أبا عن جد- طبق الدين والمؤاخاة والورع والتقوى، وهي كانت تصاحب الصلادمات الأخرى في عبور قمم جبل”كهير تهر” لابتغاء القوت حيث كانوا يضربون في الأراضي الخصبة من السنده‍ في فصول الشتاء.

 

…مسيرته العلمية:

 

في إطار ذلك الحين اقتضت حكمة الله أن يقبله إلى دينه الكامل الشامل التام، فأفعم وعاء قلبه بترنيمة دروب التعاليم الدينية القيمة، فبدأ مسيرته العلمية من بلدان متشتتة من إقليم السنده‍، واشتغل لتحصيل الكلام العربي بأقصى غايات الطمح والاشتياق لدى العلامة  العريف، والكلامة الغطريف فضيلة الشيخ المولوي” درجان” المحترم وترعرع لديه ذهنيا وفكريا، وأكب على تحصيل العلوم، وانهمك في انجاز واجباته العلمية، واستنفد جهده الجهيد وسعيه المستميت، وبذل جهوده الجبارة المستطاعة في أخذ العلوم والفنون منه  .

وأنه في إحدى من الليالي أبصر تلاميذه الدرسية في المنام ساعين للتلال على قمة الجبل، ولكن لم يظفر أحدهم بالصعود إلا عبد الكريم، فسأله الأستاذ مبهوتا عما يتصف به من الأعمال، وعما محتجبة تحت الأستار لا يعرفها دون الوهاب الستار، فأجابه قائلا: “آخذ القرآن ظهرا عن قلب من دون أن أعثر عليه أحدا”.. فهكذا ثابر وواظب على حفظ التنزيل الحكيم إلى أن أكملها في سنتين والنصف مع جريان الدراسة المنهجية، ومسموع من أقرانه العجائز أنه أول من حفظ القرآن على صعيد “الوده‍” وبعد ما أسبغ الحفظ حضر لدى قارئ مهرة من شبه القارة فضيلة المقرئ محمد المدني الميهري ودرس عليه علم التجويد.

 

ولما قام العلامة الألمعي والفهامة اللوذعي فضيلة الشيخ مولانا غلام مصطفى القاسمي بالتدريس تحت إدارة دينية شهرة من سوق “كده‍ كراتشي”، فجنح إليه باحثا عن العلوم الدينية، وتمسك بعتبة مدرسته، وتشبث بذيل مهاراته وأفكاره، وأخذ منه العلوم المعقول والمنقول حتى اضطلع وتمهر وتبحر، والأدهى من ذلك أنه قام بالإمامة -أثناء دراسته- في مسجد من ليمار كيت، وناط نفسه بأساتيذه السالفين، وخدمهم ،و استفاد منهم علميا وعمليا وفكريا ونظريا، فسنابرق علمه وذهنه، وعرضه كالعارض المتهلل .

 

….شد رحاله إلى صعيد الحجاز:

 

بعد ما حاز شهادة التخرج، فكانت أمنية تختلج في خلده، ويترتر حاشية خياله، ألا وهي الدراسة في جامعة المدينة المنورة روحانيا وثقافيا، وأنه كان يشتاق إليها كاشتياق الأم الحنون إلى أولادها، والعين إلى كحلها، فيسر الله له السبيل لأمنيته الصادقة، فشد رحله -بعون الله وتوفيقه- إلى صعيد الحجاز، وبدأ دراسته فيها من مدرسة عالم من شبه القارة، بعدئذ التحق بكلية رياض، وتلمذ على العارفين الأجلاء العظماء المهرة، وبقي يدرس هنا إلى خمس سنوات منسجما تترا.

 

…التحاقه بجامعة المدينة المنورة:

 

في غضون دراسته هذه تسنى له نهزة الالتحاق في فصل الأمجد العالمية الإسلامية -وهي جامعة المدينة- فأخذ العلم فيها عن القطب والعضد، واستوعب في المسائل، وقنع المعتر والسائل، فتخرج بحمد الله تعالى اطمئن به الأنظار والقلوب، وما مسته من لغوب، وعين مدرسا في الكلية نفسها وفق أويمر شيوخه الكبار، فحذا حذوهم، وقام بإنجاز واجباته فيها بكل جدارة وقشابة ولياقة، وصرف جل همه إلى التدريس والإفادة والأعمال والأشغال، حتى كان يوشح درسه بتقريرات تنفتح لورودها أصداف الآذان، وبتحقيقات تهتز لإدراكها أعطاف الأذهان، وبتوجيهات ينشط لاستماعها الكسلان، وبتقسيمات يطرب عند سماعها الثكلان، ولذا طار  كالأمطار في الأقطار، وصار كالأمثال في الأمصار، فرحل إليه الطلبة من بلدان سحيقة وأقطار معيقة، حتى استفاد منه كثير من الطلاب حتى تغلغل بصيت علمه وجلاله، وامتلأت الأقطار بفضله وكماله، وكان من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، حتى من كان في حقه كالعقارب يحسن إليه كالأحباب والأقارب، وأيضا منها تسويته بين أعزته وطلبته في الإفهام والتفهيم، وإصلاحه الفاسد وحسد المعاند، ونصبه  للحق أعلاما لا تشتبه وبناؤه له منارا لا يتهدم.

وقد شاهد أساتيذه وشيوخه بدون حائل وعائق، ولم يكن مخفيا عنه مسالك أكابره فقام على سليكتهم، واقتص على آثارهم، وكان من تمنياته أن يخطو طلابه على خطا أساتيذه وقيادتهم.

 

….نيابته لمسجد النبوي الشريف:

 

احتل آنذاك مكانة مرموقة، وتحصل على سماحة الإمامة وأنيب سدا مسدا لإمام المسجد النبوي الشريف -زاده الله شرفا وعزا-، ثم سافر إلى باكستان عام 1996 من الميلاد مرشحا ومنتدبا لنيابة إمام المسجد النبوي الشريف، وشارك في غير عديد من الحفلات التي كانت أكثرها محتوية على الأنكحة.

 

…مصنفاته:

 

بعد ما تقاعد عن جامعة المدينة المنورة وفق 1409 من الهجرة، فبدأ في ترجمة القران باللغة البراهوية حيال عمادة لجنة حكومية، وأكملها خلال سنتين والنصف، وله دونها من مصنفات رشيقة ومؤلفات أليقة، فها هي فرائد حقرت اليواقيت واللآلئ، ولن تجد مثلها على مر الأيام والليالي، منها:

أسبال المطر على قصب السكر.

أطيب المنح في المصطلح.

تسهيل المنطق.

وكان أكثرها باللغة المحلية الرائجة العربية القحة -أم اللغات الأجنبية- كذا كان قسط وافر منها باللغة البراهوية في طليعتها “عقيده مسلمان نا” فأبدع كل الإبداع في ابتكار هذه المصنفات، وأجاد كل الإجادة في اختراع هذا التنسيق والترصيف، حيث أرشد فيها إلى الصلاح والفلاح، والإنجاح والإصلاح  إلى أن يستفيد منها أهل الصحف و الدفاتر، وذو الأقلام والمحابر.

 

…مكانته الرفيعة:

 

ويدل على جلال علمه وعمله، وكمال مكانته ومنقبته قول أستاذه القدير فضيلة الشيخ غلام مصطفى القاسمي: لما يسألني الله -تعالى وتقدس- أي عمل أفضل تركت على إثرك في الدنيا؟ فأجيب: يا رب غادرت كريمين:

عبد الكريم بن المراد الأثري، و2- عبد الكريم البيروي.

 

…وفاته:

 

ولم تدم هذه المدة القصيرة التي تشبهت طقس الربيع في عالم الورع والأخلاق، وفي تاريخ البشرية، فأصيب إلى بضعة أيام بوعكة صحية لا يشفي بها العليل إلا بالموت، فضرب عليه طبل الرحيل، فيا حسرتاه…! واويلاه… لقد حجبت الشمس من أبصار الأناس وارتفعت، وأظلمت الدنيا بأعينهم وخربت، وارتحل إلى جوار ربه ليلة يوم الخميس 1428 هجريا، مضت اثنان من ربيع الأول، الموافق 2007 من الميلاد، ودفن في جنة البقيع ففاضت وراءه عبرات، وسالت القطرات، وأرسلت المقل دماءها ودموعها، والأفئدة همومها وغموها، والجنان سرورها وحبورها:

 

أسكنه ربي الغفار  جنات فيها الأنهار

واجعل حشره في الأبرار    نور قبره بالأنوار.

 

..ختام:

 

له صدقة بررة ملايين من تلاميذه في شكل أشبال روحانية، مع أسباطه الشقيقة، وله باقيات صالحات من أنجاله وأخدانه وجلدته المقيمين في المدينة المنورة، ورقباء التنزيل الحكيم، والأحاديث الشريفة النقية على أرض باكستان.

 

 

جمال بوزيان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار