السرد القصصي يؤرخ لآثار “كوفيد 19″على البشرية

"المغرب الأوسط"ترصد مقالات أهل القلم

0 6

إعداد:جـمال بوزيان

ترصد «المغرب الأوسط» كل حين مقالات الكُتاب في مجالات الفكر والفلسفة والدِّين والتاريخ والاستشراف والقانون والنشر والإعلام والصحافة والتربية والتعليم والأدب والترجمة والنقد والثقافة والفن وغيرها، وتنشرها تكريما لهم، وبهدف متابعة النقاد لها وقراءتها ثانية بأدواتهم، ولاطلاع القراء الكرام على ما تجود به العقول من فكر متوازن ذي متعة ومنفعة.

…”اندثار” حافظت على العناصر الفنية للقصة القصيرة، وأسهمت بموضوعاتها وأسلوبها في تطوير هذا الجنس الأدبي
بقلم: الناقد الأستاذ عمر أسرير

قصة “اندثار” نجحت في كشف الواقع الذي قد يعانيه المرء حين يصبح طبيبا، مع وصف حجم الكارثة التي حلت بالبشرية عام 2020 المتعلقة بوباء”كوفيد 19″

“اندثار على مقصلة الأسئلة المحيرة”، سيبزغ فجر الأمل…، قصة قصيرة من تأليف الأستاذعمر لوريكي؛ وهو كاتب وشاعر وإعلامي مغربي، صدرت العام الماضي عن “دار الطباعة والإشهار أكادير سيرڤيس”؛ وقد صمم غلافها الفنان السعيد وعزوز، تقع في 32 صفحة من الحجم الصغير.
مهد المؤلف لقصته بتمهيد اختصر فيه موضوعها، وأضاف إهداء لمرضى”كوفيد 19″ عبر العالم، ولم ينسَ أن يقدم كلمة شكر في حق من شجعه لينتج هذا النص القصصي الذي بلغ به المرحلة النهائية لـ”جائزة كتارا للاستغفار” في نسخة 2020 م، فئة القصة القصيرة، وهذا دليل على مدى إبداع الكاتب في هذا العمل القصصي..كما ذيلها بمسابقة متعلقة باختبار دقة مطالعة قرائه للقصة مع جوائز للمشاركين الفائزين.
جاء غلاف القصة بلون رمادي مفتوح من الأعلى وغامق من الأسفل، تتوسطه صورة امرأة رافعة يديها، تلبس قميصا مخططا بالأسود والأبيض وسروالا باللون الأزرق، حجب وجهها بلوحة ذات لون بني فاتح مكتوب وسطها علامة استفهام بلون أحمر داكن كأنها تتساءل عن شيء ما، مكتوب أعلاها عنوان القصة”اندثار”بلون أحمر مفتوح، وهي مصدر “اندثر” بمعنى زال ومحى ولم يبق له أثر، ومن مرادفاته: الزوال، الاختفاء، الضياع، الذهاب، التلاشي، الدمار..، وكلها معانٍ للموت، الانتحار، الفناء.
“على مقصلة الأسئلة المحيرة” كتبت بلون أحمر غامق، فأما كلمة “مقصلة” فهي مفرد مقاصل ومقصلات، وهي اسم آلة يقطع بها رأس المحكوم عليه بالإعدام، شاع استعمالها في الثورة الفرنسية.
أما كلمة “الأسئلة ” فهي من السؤال وهو طلب الأدنى من الأعلى، وهو أسلوب يستخدم للحصول على المعلومات.
أما كلمة “المحيرة” فهي من فعل حير، أي أوقعه في حيرة وذهول، وأربكه، وأثار دهشته.
أرفق العنوان بعبارة مكتوبة بلون أبيض “سيبزغ فجر الأمل” وهي دالة على انتظار الأمل مهما طال الألم، ويبقى السؤال: عن أي ألم يتحدث القاص؟ وأي اندثار يقصد؟ وأي أمل ينتظر بزوغه؟
يدخلنا القاص إلى نصه عبر بوابة الغلاف عنوانا وصورة؛ حيث يلخصان مضمون النص من خلال الجمع بينها، وربما يتحدث عن حالة انتحار لسيدة حيرتها أسئلة لم تجد لها أجوبة، ظل المضمون مبهما حتى مر بنا عبر التمهيد لهذا العمل الإبداعي الذي لخص فيه أحداث القصة باختصار وإيجاز؛ حيث تدور أحداثها حول ممرضة إيطالية اسمها “ماريا تيريزا”، تشتغل رفقة صديقتها المسلمة خديجة هيباتيا المتزوجة من رجل مغربي، تسعفان مرضى”كوفيد 19” حين اجتاح إيطاليا، قررت ماريا الانتحار والموت بسبب أسئلة ولدتها جائحة “كورونا”، أسئلة حيرت عقلها وأصابتها بالذهول، وأربكت أفكارها وهددت وجودها واستقرارها ؛ حيث أصيبت بالفيروس اللعين.
رحيلها بهذه الطريقة أثر في حياة صديقتها خديجة التي تأزمت نفسيا، ولم تستطع مواصلة العمل بصفتها ممرضة لأن كل شيء هناك يذكرها بماريا، زادت معاناة خديجة لكونها مصابة بالعقم طيلة حياتها، لكنها لم تستسلم ولم تيأس وتنتظر أملا أخيرا، تحلم أن ترزق بصبية تسميها “استغفار” ينسيها كل آلامها وأحزانها على فراق زميلة العمل ماريا.
خضعت القصة من خلال بنيتها لتراتبية زمنية ومتسلسلة:
البداية: بداية دينامية حيث أدخلنا الكاتب لصلب الموضوع “فقدان الصديقة ماريا التي غادرت عالم الأحياء دون وداع؛ قال:”اليوم انتحرت ماريا تيريزا”.
الوسط: ألم خديجة جراء فقدان الصديقة ماريا بسب اجتياح “كوفيد 19” إيطاليا، وعدم الرغبة في مواصلة العمل كممرضة.
النهاية: أمل انتظار تلك التي اختير لها اسم استغفار.
تتابع السرد بشكل مباشر، فينتقل الكاتب من حدث إلى آخر لإبراز حجم المعاناة التي يعانيها الأطباء بسبب الجائحة، وتسليط الضوء على قضية الانتحار ذات الرؤية الاجتماعية، وبيان مدى الألم الذي خلفه رحيل ماريا.
استعان الكاتب في سرد هذه الأحداث بالرؤية من الخلف لكونه أكثر معرفة بالشخصيات، فهو يعرف أسرارها وكل ما يجول في ذهن كل شخصية.
أدت الشخصيات دورا مهما في تطور أحداث القصة ومنها شخصيات رئيسية وثانوية.
…الشخصيات الرئيسية:
ماريا تيريزا: شابة يونانية تبلغ من العمر ثلاثا وثلاثين سنة، مسيحية الديانة، تشتغل ممرضة بقسم “كوفيد” بإيطاليا، جميلة وذات شعر حريري، عاشقة للسفر، محبة للجميع ومساعدة لأي كان فقراء ومحتاجين.
خديجة هيباتيا: شابة قادمة من اليونان للعمل بقسم “كوفيد” بإيطاليا، مسلمة الديانة وترتدي الحجاب، متزوجة من رجل مغربي لكنها عقيمة، مبتسمة على الدوام، تتقن اللغات: العربية،اليونانية، الإيطالية، تأزمت نفسيا بسبب رحيل ماريا.
سعيد الشرقاوي: شاب متصوف، ولد بقلعة السراغنة المغرب، يشتغل بمحل لبيع الملابس، زوج خديجة لم يرزقا بأي مولود، محب لبلد الأم ومتابع لكل أخبارها، يحب الانعزال.
…شخصيات ثانوية:
لم تغطِ حيزا كبيرا ومهما في أحداث القصة، إنما تحدث عنها القاص كضحايا لهذا المرض اللعين وأبرزها: سائحة فرنسية بأكادير، خالد السوري صديق سعيد، الطبيب الفرنسي ستادريمس.
أفرز التحول في أحداث القصة علاقات بين الشخصيات أهمها:
علاقة صداقة: تربط بين ماريا وخديجة وبين سعيد وخالد.
علاقة حب: تربط بين خديجة وسعيد، وبين ماريا وخوان كارلوس هذه الأخيرة التي انتهت بالفشل.
علاقة كره وبغض: تربط بين ماريا وخديجة مع زميلاتهما في العمل.
انسجم المكان والزمان في القصة وتفاعلا في الكشف عن نفسية الشخصيات خاصة خديجة وماريا، من خلال إبراز كفاحهن من أجل حياة الآخرين، أما المكان فقد تعددت الأمكنة التي حدثت فيها أهم الوقائع مثل: المستشفى بدولة إيطاليا، المنزل..، أما فيما يخص زمن الأحداث فقد وقعت سنة 2020 محين اجتاح وباء “كورونا” إيطاليا، أثر الزمان على نفسية ماريا؛ حيث دفعا إلى الانتحار.
اعتمد الكاتب في النص أسلوبا واضحا، بسيطا، ودقيقا في الوصف، متخذا الحوار الخارجي دون الداخلي، كما استخدم لغة فنية، رائعة وفصيحة غير مبهمة، مألوفة وسلسة يفهمها القارئ، أما علامات الترقيم فقد برزت في القصة بشكل جيد، وساهمت في فهم المقصود منها، كما أن هناك نقط حذف لم تفقد العمل القصصي معناه ولم تخل بأحداثه، مما يعني: أن القصة اختزلت واختصرت الكثير من الدلالات تاركة المجال للقارئ ليتم بتأويلات متعددة.
تحمل القصة أبعادا دلالية؛ حيث لم تؤلف للتسلية والمشاركة بها ضمن “جائزة كتارا”، بل تحمل رسائل عميقة للمتلقي أبرزها:
الصبر على المصائب، محبة الجميع وتقديم المساعدة لهم، عدم الاهتمام بنظرة الآخرين إليك، أهمية الوازع الديني في اطمئنان القلب وانشراح الصدر والراحة النفسية.
ختاما، يمكن القول إن نص “اندثار على مقصلة الأسئلة المحيرة” للكاتب المبدع والقاص المتميز عمر لوريكي، حافظ على المقومات والعناصر الفنية للقصة القصيرة، وبهذا يكون قد أسهم في تطوير هذا الفن كتابة وإبداعا، كما أنه نجح في كشف الواقع الذي قد يعانيه المرء حين يصبح طبيبا، مع وصف حجم الكارثة التي حلت بالبشرية سنة 2020 م، المتعلقة بوباء “كوفيد 19″، خاصة من يعمل بقسم “كوفيد” مع غياب أي بروتوكول علاجي ناجح، أو لقاح فعال بالرغم من وجود بعضها التي لا تزال نتائجها غير ناجحة 100%.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار