دولي

الأسير المحرر قصي سلامة .. ذاكرة تزخر بالالم من عذاب 17 عاماً خلف القضبان

شؤون الاسرى الفلسطينيين

لم يبق سجن، إلا ووقفت الوالدة الستينية منيرة سلامة ” أم الأمين”، على أبوابه لمتابعة وزيارة أبنائها الأربعة الذين فرقهم الاحتلال بين سجونه في غالبية فترات اعتقالهم التي استمرت لسنوات، فلم تتأخر لحظة عن الموعد الذي كانت تنتظره كانه العيد، فكانت تزور 4 سجون كل شهر بصبر وتحدٍّ وبطولة رغم اوجاع الجسد والعذابات التي يسببها الاحتلال وسياساته التعسفية ، وبعد تحرر ثلاثة من اولادها، ما زالت فرحتها منقوصة، وحزنها لم يتوقف، فالاحتلال يواصل إعتقال نجلها إبراهيم “38 عاماً” ، المحكوم بالسجن المؤبد 7 مرات.

 

….المحطة الاولى

محطة المعاناة الأولى في حياة عائلة سلامة، بدأت باعتقال نجلها قصى حسن أمين سلامة وهو في عمر “16 عاماً”، بتاريخ 22/ 3/ 2003، والذي رغم تحرره بعدما قضى محكوميته البالغة “17 عاماً”، ما زالت ذاكرته ، تحتفظ بكافة تفاصيل رحلة الأسر والمعاناة والصمود والصبر، ويقول :” حاصرني الاحتلال في منطقة عين السهلة في الداخل وتمكن من اعتقالي بعد إشتباك مسلح ، وعلى الفور، اقتادوني لاقبية التحقيق في سجن الجلمة ، وبالرغم من انني قاصر، الا انه تم اخضاعي للعزل والتعذيب والضغوط النفسية والجسدية .” ويضيف ” لم يراع الاحتلال صغر سني، عاملوني بنفس الممارسات والاجراءات الصعبة والتحقيق العسكري الذي لا يميز بين طفل ومسن وأسير وأسيرة ، فالعذاب والقمع والتعذيب لا يوجد فيه استثناء ، وتجرعت كل صنوف المرارة على مدار أكثر من شهرين ، عانت خلالها الكثير عائلتي لانقطاع أخباري عنها.”

 

….خلف القضبان

بعد التحقيق، نقل الاحتلال قصي الى سجن ” تلموند”، لتبدأ رحلة المعاناة المريرة بين المحاكم ، والتي استمرت رغم طفولته كما يروي على مدار عام ونصف بين التمديد والتأجيل حتى حوكم بالسجن الفعلي “17 عاماً”. ويضيف ” عاقبني الاحتلال بالعزل والنقل حتى دخلت خلال سنوات اعتقالي كافة السجون وتقاسمت مع رفاقي الأسرى كل صور المعاناة والقهر والعذاب التي لن تنساها ذاكرتي يوماً.” ويضيف” حياة السجن في كل لحظة ألم ووجع بسبب ممارسات الاحتلال والسجانين خاصة في عمليات النقل بالبوسطة التي تعتبر عذابا كبيرا، أما الاصعب، فهي عمليات الدهم والتفتيشات المفاجئة التي يرافقها التنكيل والتخريب والضغوط النفسية والجسدية الرهيبة.” ويكمل:”في كل لحظة، أتذكر معاناة ووجع المرضى الذين يتعرضون للاهمال المتعمد ويحرمون من العلاج، ومهما كانت أمراضهم خطيرة واوضاعهم صعبة، فان علاجهم الوحيد الذي توفره عيادات السجون هو الأكمول.. وهناك تقصير كبير يفاقم معاناتهم في ظل الخطر الدائم الذي يتهددهم في كل لحظة .”

 

….التحدي بالتعليم

كباقي الأسرى، استثمر الأسير قصى سنوات إعتقاله وحقق فيها الكثير من الانجازات، ويقول :” تجربة الاسر علمتني الكثير، فعلى الصعيد الاكاديمي، حققت النجاج في الثانوية العامة وحصلت على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القدس- ابو ديس ثم حصلت على درجة الماجستير في الدراسات الاسرائيلية، واصبحت أخدم وأساعد الاسرى الطلاب وتقديم المحاضرات للمنستبين منهم لجامعة القدس المفتوحة.” ويضيف”في السجن، تعلمت المعنى الحقيقي لروح التميز والتكاتف والتلاحم والوحدة الوطنية بين كافة الاسرى ، فالسجون مجتمع مصغر تحول الى جامعات ومدارس وحياة ونشاط وتفاعل نمارس فيه طقوس حياتنا اليومية، كما في الخارج ولكن ماينغص علينا هو الاسلاك الشائكة والسجان والاحتلال الذين فشلوا في كسر ارادتنا ومعنوياتنا.”

 

….استهداف العائلة

بينما كانت العائلة تعيش ألم اعتقال قصي ، انضم اليه بعد شهرين من إعتقاله شقيقه مأمون “40 عاماً” ، والذي اعتقل من منزله فجر 22/5/2003 . ويفيد بأن العشرات من جنود الاحتلال ، اقتحموا المنزل وعاثوا فيه فساداً وتدميراً ثم اعتقلوه ونقلوه الى اقبية التحقيق في سجن الجلمة لمدة شهرين . ويقول قصي” كانت والدتي ما زالت تبكي على مصيري المجهول، فتفاقمت معاناتها بعدما عاش شقيقي مأمون نفس المأسي التي تعرض لها خلال مرحلة التعذيب .”ويضيف ” بعد حوالي عام ، حوكم بالسجن الفعلي لمدة 9 سنوات ، قضاها كاملة وتحرر ، لكن دموع والدتي لم تجف، فقد بقيت وإبراهيم في غياهب السجون .” بعد 6 أيام فقط ، داهم الاحتلال المطعم الذي يعمل فيه الابن الثالث للعائلة رامي في الداخل ، ولم يختلف مصيره ، فقد اعتقل ووجه نفس الويلات والظروف في زنازين العزل والتحقيق. ويقول قصي” أصبحنا ثلاثة موزعين بين السجون ووالدتي تتنقل بين الصليب الاحمر ومؤسسات الأسرى ، لكن رب العالمين كرمها بالصبرحتى عندما حوكم رامي بالسجن الفعلي لمدة 8 سنوات ونصف السنة .”

 

….الأسير الرابع

خلال ذلك ، كان الاحتلال ما زال يستهدف ويطارد الابن الرابع للعائلة وهو إبراهيم، ويقول المحرر قصي” قبل 38 عاماً، ولد إبراهيم في بلدتنا جبع، نشأ وتربى وتعلم بمدارسها حتى انهى المرحلة الاعدادية ، قرر ترك تعليمه وتحمل المسؤولية ، عمل في البناء والزراعة والمطاعم حتى اندلعت انتفاضة الاقصى.” ويضيف” لدوره البطولي والنضالي في كتائب شهداء الاقصى ، أدرج الاحتلال اسمه ضمن قائمة المطلوبين، واستمرت ملاحقته ونصب الكمائن والتهديد بتصفيته، لكنه أكمل المشوار بشجاعة وبطولة.” ويكمل” بتاريخ 24/6/2003، حاصر الاحتلال شقيقي مع مجموعة من رفاقه المناضلين الذين قاوموا لاكثر من 4 ساعات حتى تمكن الاحتلال من اعتقالهم بعدما كتب لهم رب العالمين حياة جديدة .”

 

….التحقيق والحكم

خيمت أجواء الحزن والخوف في منزل العائلة، وتقول الوالدة أم الامين”عشت أصعب ايام عمري فقد فرق الاحتلال شملنا ولم أعد قادرة على النوم والحياة وأبنائي الاربعة بعيدين عني ، ازداد حزني مع انقطاع أخبار إبراهيم على مدار ثلاثة شهور تعرض خلالها للتعذيب والعزل والحرمان.” وتضيف” استمرت المأسي في حياتي وانا اتنقل بين المحاكم خلف أبنائي والاحتلال يتفنن في عقابنا، لكن صدمتي الكبيرة ، عندما حوكم إبراهيم بالسجن المؤبد 7 مرات، شعرت أنني أصبحت معهم أسيرة .”

 

….صمود وعزيمة

بفخر وإعتزاز، تتحدث “أم الأمين” عن صمود ومعنويات إبراهيم واخوانه، وتقول” دوماً سأبقى فخورة ببطولاتهم وصبرهم وعزيمتهم، فرغم الاحكام العالية، الا انهم رفعوا معنوياتي دوماً وكان لديهم خاصة إبراهيم أملا بالحرية، ورغم مرور 17 عاماً على اعتقاله، لم يفقد الأمل.” وتضيف” حالياً يقبع إبراهيم في سجن شطة، وتمكن على الرغم من الحرمان والسجن والسجان أن يتحداهم باكمال دراسته، حصل على شهادة البكالوريوس وأنهى درجة الماجستير، ويكرس حياته لرعاية وتدريس الطلبة الاسرى .”

 

….لقاء السجن

عاقب الاحتلال الأشقاء ووزعهم بين سجونه، لكن بعد ثلاث سنوات من النضال والجهد والمطالبة ، تحقق الحلم والتقى إبراهيم وقصي في سجن شطة . ويقول قصي” الأشد قساوة من واقع السجن وألم الحكم، رفض الاحتلال جمعنا معا، فمرت ثلاث سنوات حتى وافقت الادارة على جمعي مع شقيقي إبراهيم، وكل الكلمات تعجز عن وصف لحظات اللقاء عندما تعانقنا وسط الدموع التي كانت تعبر عن مشاعر الشوق والحنين .” ويضيف” عشنا رغم كل الوجع فترة لا تنسى على ذكريات الأهل والأحبة والطفولة التي خففت عنا الكثير خاصة بعدما تمكنا من زيارة والدتنا معا، تنقلنا بين عدة سجون نشد أزر بعضنا ونتبادل الأمل والعزيمة حتى عاد الاحتلال وفرقنا بشكل متعمد، فهو الذي يتحكم بحياتنا ويتفنن في فرض الممارسات المؤلمة والقاسية . فقد نقلوا شقيقي الى ريمون وكان مصيري في سجن النقب .” ويكمل” لم نستسلم ، وأمام فترة حكمنا الطويلة، تواصلت جهودنا حتى اجتمعنا مرة ثانية بعد عدة أعوام من الفراق في سجن جلبوع ، فعادت لقلوبنا الفرحة ونسيت كل لحظات المعاناة عندما شاهدته بين أحضاني والابتسامة لا تفارق محياه.”

 

….صور اخرى

نغص الاحتلال فرحة الشقيقين مجدداً، عندما نقل إبراهيم الى سجن هشارون وقصي للنقب ، ويقول” طوال الوقت، كان ألمنا الأقوى خوفنا على والدتنا المريضة التي كانت لا تتوقف عن الزيارات وشد الرحال للسجون رغم أوجاعها لغياب ابنائها الاربعة فقد كانت الوحيدة المسموح لها بزيارتنا، لأن كل العائلة ممنوعة أمنياً.” ويضيف”في الشهر الواحد، كانت تزور والدتي 4 سجون خاصة بعدما فرقني الاحتلال عن إبراهيم، لكنها كانت قوية وصبورة ولم تشكو أو تتذمر يوما حتى عندما استشهد شقيقها القائد في كتائب شهداء الاقصى أمجد الفاخوري .” ويكمل”خالي، يعتبر من مؤسسي الكتائب، تعرض للمطاردة والاستهداف منذ بداية الانتفاضة، إنضم لصفوف المقاومة في جنين ومخيمها، وشارك في الدفاع عن المخيم ، قاتل حتى الرمق الاخير واستشهد في الاجتياح الاول بتاريخ 4/3/2002 .”

 

….الفراق الصعب

قضى قصي ما تبقى من محكوميته في سجن النقب حتى تنسم عبير الحرية بتاريخ 22-3-2020، ويقول ” لم يسمح لي الاحتلال بوداع إبراهيم، فخرجت من السجن وبقيت روحي أسيرة، حتى اليوم، لم أعرف طعم الفرحة التي ينتظرها ويتمناها كل أسير، فما زال إخواني الأسرى وخصوصا شقيقي إبراهيم هناك وسط المعاناة خاصة في ظل فيروس كورونا. ويضيف”أشعر بقهر أكبر أمام حال والدتي التي عاشت 19 عاماً من الألم والوجع وهي تبكي اولادها وحريتهم ونهاية معاناتها، ولم تجف دموعها رغم تحرر رامي ومأمون وزفافهما، لديها اليوم 20 حفيداً، لكن لم ولن يعوضها أحد عنه .” ويكمل” ما زالت تنتظر عودة إبراهيم الذي تفتقده يومياً.. وكل صباح تنهض على أمل أن تراه امامها وتصلي لرب العالمين ليمد بعمرها حتى تزفه عريساً.”

 

تقرير علي سمودي- القدس

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock