ثقافةفنيمساهمات

قصص تمسك “اللحظة العابرة” و تتحدث عن “الانكسارات الانسانية” في مجموعة (وجعحانة)

القاص حسين البعقوبي يقتنص مشاهد من الحياة اليومية

يستغرق القاص (حسين البعقوبي) وقتا طويلا للتأمل والتحضير ليقتنص لنا مشاهد من الحياة اليومية ، ويدخل فيها (الحدث الدرامي) و(المناخ العام) المفعم بالحزن كأفراز للحروب العبثية واخطاء الحكام المتعاقبة، هو محايد في تشخيص الاخطاء في كل الازمنة وقصصه في مجموعة القصة القصيرة ( وجعخانة) التي صدرت سنة2021 من دار الورشة الثقافية للنشر والتوزيع ، استمد شخصياتها من المجتمع مركزا على معاناة (الفرد) الذاتية، ففي قصة (دوران) يقدم لنا البعقوبي نوعا نادرا من السرد ينتمي الى (القصة المضمنة) اي هناك القصة الأم وقصة الاطار ، ومن البداية توجد منافسة بين النوعين، مثلما توجد علاقة خفية بين السارد (القاص والراهب) ، بارع هو في تصوير التفاصيل، وحينما تقرأ الوصف تعرف المكان مباشرة حتى لو لم يذكره، فمثلا حينما يصف المقهى الذي يجلس فيه الراهب ” في مقهى عتيق في حي شعبي قديم من أحياء بغداد. وأشعة الشمس الصباحية تتسلل بكسل من النوافذ الزجاجية المتسخة.فكأنها تدخل على استحياء لتلامس المناضد والمقاعد الخشبية المتداعية. وحدها الرائحة التي كانت تشكل خليطا غريبا من العفن والشاي المحروق تفرد أذرعها في المكان على غير استحياء- (الشمس تستحي والرائحة الكريهة لا تخجل- عند هذه الكلمة قلت مع نفسي انه يصف مقهى حسن عجمي- ولم يخيب ظني ! فبعد ان يصف الراهب وصاحب المقهى يصل الى التشبيه كما توقعته ((لا اعرف لماذا استعدت في تلك اللحظة صورة مقهى حسن عجمي وأجواءه في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي..وجدت مرآة تشبه تلك المرايا في مقهى حسن عجمي ولكن بشكل مصغر..وحين أجلت بصري في المكان جيدا شعرت بأن هذا المقهى هو فعلا صورة مصغرة لمقهى حسن عجمي”ص8

…..المنظور السردي

يختار القاص بذكاء حدث متحرك لبيان تأثيره على الشخصية المستهدفة ، او على الاصح على الشخصيتين – كما نعتقد- من خلال القصة، فنحن امام شخصية مركبة هي (الراهب) لكنه مجنون – عبقري- او موهوب(( ألم نقل لك انه قد جن ولن تحصد من لقاءه نتيجة تذكر..فكأنك تقرأ في كتاب بغير سطور))

الدوران لا يقصد فيه القاص كما يوحي لنا هو دوران الملعقة في قدح الشاي لأذابة السكر! بل هو دوران عجلة الحياة الطاحنة للشخصية التي يقدمها لنا القاص “دارت الملعقة.عبرت بضع سنوات إلى الامام الذي حذرني منه صديقي..فرأيت مشهد زواجه التقليدي من امرأة ريفية اثر ضغط أبوي كان يعير التقاليد العشائرية القروية جل اهتمامه واحترامه” – غياب عنصر الاختيار-(وبحركة هينة من الملعقة) كأن القاص يتعامل مع الملعقة كآلة تصوير “جاءت الحرب التي رمت بعباءتها الدراكولية السوداء فوق رؤوسنا لسنوات ثمانية، أورثته سبعة أولاد استطاع أن( يفقسهم) – مصطلح من عالم الدواجن- يفقسهم في أجازاته المتنائية حينا وحينا هروبه المتذبذب من الخدمة العسكرية (عدم القناعة بالحرب) وعودته المستمرة إليها (اكراما لوالده وخشية من كلمة ان يكون ابنه متخاذلا او خائنا وجبانا) لم يبق له الا (الجنون) حقيقي او ادعاء ، القاص مرة يجعله منفذا للتخلص من الحرب وتارة يعده تقمصا ويمكن ان يكون جنون حقيقي “وقتها سمعنا أخبارا متضاربة حول إصابة الراهب بالجنون” ثم يأتي الدور ليصل الى المتلقي دقة وقوة السرد لدى –الراهب- القاص /، وهنا يطلق وصفا للشخصيات قد ينطبق على ملامح الشخصيات في قصص القاص البعقوبي (تكاد شخصياتها تخرج من الورق وتتجسد أمام من يقرأها) يقابل بالاهمال ومن ثم بالاعتقال، وتتصاعد الاحداث دراميا وتتطور شخصية الراهب (يمتلك قوى غريبة تمنحه القدرة على قراءة أفكار الأشخاص من حوله) وخلال السرد يزج القاص بما يسمى قصة داخل قصة (عاش حياته على أنها قصة قصيرة يجب أن تنتهي) وحينما تتوقف الحرب او يتخلص الانسان منها ماديا يبقى تأثيرها المعنوي داخل النفس البشرية (في الحياة المدنية تصور أصدقاءه انه سيتوقف عن التظاهر بالجنون لأنتفاء الحاجة له) لكن نوبات الجنون كانت تعاوده (خصوصا في فصل الصيف) واذا كان توقف الحرب لم يلغ الجنون الذي اصاب الراهب فإن تغير النظام لم يزد الامر الا سوأ”خراب نزع عباءة الدكتاتورية وارتدى عباءة ديمقراطية مشوهة” في نهاية القصة  ،عودنا القاص البعقوبي على الضربة التي تلغي ما قبلها وفيها دلالة ومعنى عميق ، يجعلنا القاص امام شخصية واحدة في القصة فالراهب هو نفسه السارد (نهضت من مكاني وأنا أشعر بالخيبة.. لكن يدي وعن غير قصد طرقت المنضدة بطريقة مشابهة لطريقة الراهب.فأقترب العجوز مني.قلت له كم المبلغ..أنا والراهب. فقال وهو يبتسم بطريقته المعتادة: أنت وأنت سبع إستكانات من الشاي. ثم أقفل المقهى بعد خروجي”ص23

….اللحظة العابرة

اذا كانت كلمة خانة تعني (المكان) وهي كلمة غير عربية ، وغالبا ما تكون مع كلمة اخرى ليكون لها معنى متكامل مثل (جاي خانة- وجامع حيدر خانة   او خانة اليك  في لعبة الطاولي) لكن القاص حسين البعقوبي وهو المغرم بالمصطحات الغرائبية يضعها عنوانا لمجموعته (وجعخانة) ويمكن كان يقصد (مكان الوجع)، وجع الناس البسطاء الذين لا تتحقق احلامهم حتى في المنام! يستخدم البعقوبي في معظم قصص المجموعة ثنائيا متلازما، مواضيع القصص لا تعبر بالضرورة على أهمية لقاء البطل مع العالم الخارجي بل الاهم عنده هي لقاء الانسان مع نفسه مع دواخله ، هو يجسد شخصيات انسانية تحاول ان تمسك ب (اللحظة العابرة) كما هي الكتابة والتعبير (ما بعد الحداثة) ويشعر بها المتلقي محملة بالمشاعر ومؤثرة بقوة!

….الغموض في هوس

في هذه القصة هناك اكتشاف هو اننا “لسنا بحاجة إلى النطق بالكلمات” البطل (حسان) وهو يكتب للمسرح عملا يدين  تفاقم الفساد والرشوة ، وسيلة التعبير  (حركات اليد والجسد واحيانا تعابير الوجه) – نجحنا في إيصال الفكرة التي اردنا لها أن تصل إلى الناس وتمكنا من إمتاع الجمهور بالمسرحية- وعندما نبحث عن الثنائية التي قد لا توفر السعادة بل هي تكمل النقص الذي يشعر به كل انسان نجدها في هذه القصة متجسدة في شخصية (الفتاة) التي تتحدث مع حسان “يا رجل تغيب كل هذه السنين ثم تظهر أمامي فجأة، كانت حواسه جميعا تحاول أن تتواصل معها باستثناء فمه أو لسانه الذي فقد القدرة على النطق ولو بحرف واحد”ص119 وتأتي نهاية القصة بالغموض بدلا من التفسير فالبعقوبي يريد المتلقي ان يشارك في كتابة النص (ضحك الجميع.. وبادر الماكير إلى الاعتذار منها.. مؤكدا انه يتحمل مسؤولية عدم وضع الماكياج المناسب لتبدو مقاربة لسني. تدخلت هي لتسأل عن رأيي.. فقلت نعم موافق..ستكونين بطلة العمل المقبل)

….الانكسارات الانسانية

قصص المجموعة تتحدث على الاغلب عن ا”لهزائم الصغيرة ” في حياة الناس لكنها هزائم لو اجتمعت تصبح كبيرة جدا، وهي تتوزع بين الواقعية و الفنتازيا، فإذا كانت قصة (أسوء قصة في العالم) امتداد لقصة (دوران) من حيث الشخصية المعقدة والمركبة والمهزومة من الداخل ، وهي ايضا تتحدث عن شخصية الانسان الحالم “حلم كتابة أغرب نص أدبي في العالم” وهي تتناول (الاحساس المزدوج بالتواجد في مكانين في الوقت ذاته) وتتجسد الغرائبية في التداعيات لشخصيات القصة (الثنائية) وجدي والقاص – دائما- وتبدأ بقراءة جمل بصياغة فلسفية (وبدلا من أن أحلم صرت أحلم بأني لا أحلم).

*…. خصوصية ابداعية

بطل القصة يعمل في أرشيف تعويضات المتضررين من الاعمال الارهابية، ، وهي قصة تملك خصوصية ابداعية فيها توظيف  للحوار “غالبا ما يراودني كابوس غريب.حين أجدني وقد تحولت إلى دفان في مقبرة السلام ..وأمامي طوابير من الموتى …فمن يدري ربما أتحول أنا ايضا إلى مجرد ملف وسط هذه الملفات ويعلوني الغبار(اهمال حقوق الشهداء) بل هو الفساد الذي يصل الى ملفات الشهداء (كأن يكون بين الأضابير ملف لقتيل وآخر لقاتله)

*…ثيمة الحلم

يخيل لي ان القاص يكتب القصة بتلقائية واستغرب قدرته في اشتراك كل القصص بثيمة الحلم! ففي قصة الطريدة يشعر البطل بالخوف وكأن احدا يلاحقه وهو الانسان البسيط الفقير لكنه جريمته هي الحلم (أنا فقط أحلم أحيانا بزمن أفضل من هذا الذي نعيشه فهل هناك قانون يعاقب من يحلم)

…*الوجع البشري

هذه القصة فيها الوجودية تترسخ في ذاكرة المتلقي على الرغم من صعوبتها ، نوعا آخر من الوجع البشري سببه الشيخوخة،(كان مجرد كهل أشيب الشعر موجوع في أماكن عدة من الروح والجسد..كهل ليس ألا) انها اللحظة العابرة التي تحدثنا عنها “لحظة مونثة جدا أوقفته..استوقفته … هي تجلس خلف المقود. هو .. صمت لم يحر جوابا..لكن اللحظة دبت فيها الروح فصرخت بصوت صم آذانه..يا الله.. لتتداع الذكريات ويتجسد الماضي وكأننا نعيش واقعا غريبا (حب وعشق مستحيل) لكننا نكتشف مع القاص بإننا  (في المكان الفقاعة.. ما اجتمعا من قبل في المكان بل في غياهب بحر رقمي.لم يرها ولم تره على أرض الواقع..لكنه أحبها وأحبته..أغضبها وأغضبته قبل سنوات عشر ولم يمض على حبهم الرقمي وقتها سوى عام أو أكثر..وما شاء الفيس فعل”ص89

*….مفارقة الشريكان

معاناة ووجع السجن الذي يلغي اسماء الايام ويختصر الوقت بمحدودية الزمان ، واصعب شيء على السجين ان يحلم بالخروج من السجن ويفشل في ذلك (سمعت سجاني يقول لولده أنه سيقدم لي هدية بمناسبة مرور عام على سجني ثم حين ابتعد ولده اقترب مني ونظر ‘لي وهمس وكأنه يتحدث إلى نفسه: اطمئن ..سأطلق سراحك) لكن المشكلة هي الخوف من الحرية وان تتعرض (صغاره ) – على القارئ ان ينتبه كلمة واحدة في النص تغير هيكل القصة كلها ، ضع صغارها في ذاكرتك واكمل القصة- الى الاذى فكلما هرب من السجن عاد اليه سريعا (قراري ان اغادر السجن الليلة ولا أعود أبدا) لكن السجان يعطي فرصة اتخاذا لقرار لأبنه ، والابن يغلق الباب ولا يسمح له بالخروج! في الجزء الاخير من القصة تأتي الضربة الفنية حينما يكتشف القارئ ان بطل القصة ليس انسانا (لا تلمني أيها البلبل..فأنت لم تغتنم الفرصة حين فتحت لك باب القفص. ثم مضى مبتعدا وهو يردد:لا تحزن كثيرا فحالي ليس بأفضل من حالك!

….الخاتمة

احد عشرة قصة قدمها لنا القاص المجتهد المبدع (حسين البعقوبي) يخاطب فيها عقولنا ويحرك مشاعرنا ، يجعلنا نتمتع حتى بالحزن لقدرته على التعبير عن النفس الانسانية بصدق، قصص تنشط العقل وتجدد الطاقة ، رحلة مع الادب قد تنسى فيها الاوهام ، وتترسخ الشخصيات والمواقف والافكار في ذاكرتك والوجدان.

بغداد – حمدي العطار

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock