محليمساهمات

مدينة بوسعادة الجزائرية واحة السحر وبوابة الصحراء

بعدما كانت مقصد السياح، تعاني اليوم من التهميش

تعتبر مدينة بوسعادة أقرب واحة إلى العاصمة الجزائرية، وتقع على بعد 240 كيلومترا جنوب شرق العاصمة الجزائرية. تسمى ببوابة الصحراء وأيضا يسميها البعض مدينة السعادة، هذه المدينة التي كانت في وقت من الأوقات مقصد الزوار والسياح، تعاني من التهميش اليوم، خاصة فيما يتعلق بالسياحة.

ترمز مدينة بوسعادة في المخيال الجزائري إلى العهد الذهبي للسياحة في سبعينيات القرن الماضي، والذي خلد في فيلم هو عطلة «المفتش الطاهر» للمخرج موسى حداد، وهو جزء من سلسلة أفلام لهذه الشخصية السينمائية والمسرحية والتلفزيونية، التي من الصعب أن تتكرر. «المفتش الطاهر» لم يكن مجرد شخصية كوميدية، بل كان خليطا من الشخص الذي تولى منصب المسؤولية دون أن يكون له المستوى العلمي اللازم، في حين أن مساعده كان أكثر ثقافة وتمكنا، الأمر الذي يجلب له حنق مسؤوله المباشر، لكن «المفتش الطاهر» بلكنته الخاصة، وطيبة قلبه، وحذاقته كان يتمكن من حل كل القضايا التي تعترض طريقه.

في عطلة «المفتش الطاهر» يقوم ومساعده بالتحقيق في قضية مقتل سائح بريطاني، ويقودهم التحقيق من العاصمة إلى مدينة بوسعادة، ومنها إلى تونس، حتى يتم العثور على القتلة والقبض عليهم، وفي الوقت نفسه اكتشاف شبكة سرقة سيارات في تونس يساهم «المفتش الطاهر» في تفكيكها. فيلم جعل الكثيرين يكتشفون سحر مدينة بوسعادة، وفندقها الجميل «القايد» الذي أصبح قطعة من تراث هذه المدينة.

لكن هذا العهد الذهبي للسياحة ولى، فالجزائر التي غرقت بداية من الثمانينيات في منطق الريع النفطي، وتشجيع ثقافة الاستهلاك، ومع نهاية الثمانينيات بدأت تغرق في الفوضى واللااستقرار، وبعدها دخلت في سنوات الأزمة الأمنية، التي يسميها البعض حربا أهلية، وعرفت خلالها إرهابا أعمى أهلك الحرث والنسل، وكان من الطبعيي أن تتلقى السياحة ضربة شبه قاضية، وكانت مدينة بوسعادة من المدن التي تضــررت فيها السياحة، بما في ذلك السياحة الداخلية.

….تاريخ عريق

 

مدينة بوسعادة تبقى شاهدة على حضارة قديمة، فالآثار التي تم العثور عليها تشير إلى أنها كانت آهلة بالسكان منذ 8 آلاف سنة على الأقل، وعثر أيضا على أدوات مصنوعة من معدن الليثيوم. وفي بعض الجدران الصخرية اكتشف الباحثون آثار حيوانات، دون أن يتمكنوا من التأكيد إن كانت المنطقة بقيت آهلة بالسكان من ما قبل التاريخ إلى الفترة التي أقام فيها سكان الحضنة، الذين تشير كتب التاريخ إلى أنهم سكنوا المنطقة قبل عهد الاحتلال الروماني.

ويقول الشيخ أبو القاسم محمد الحفناوي، أن بنو برزال هم الأقرب إلينا، وقد انتقل عدد من هؤلاء السلف للعيش في الأندلس، وأضاف في كتابه الشهير «تعريف الخلف برجال السلف» أن جبل «أبا العرعار» من فروع جبال سالات، وأن هذا الجبل ذكر أكثر من مرة من طرف ابن خلدون، ومن فروعه أيضا جبل القليعة وهو جبل ذي قمة مربعة توجد في سطحها بيوت كانت لأحد رؤساء زناتة، ثم عادت إلى بعض زعماء العرب، وهذا ما يدل أن تاريخ هذه المدينة عريق.

كانت بوسعادة منذ القدم مدينة العلم والعلماء، فقد ظهر فيها الكثير من المصلحين، الذين حاولوا النهوض بالمجتمع، مثل الشيخ الديسي، كما أن آثار الحضارة الإسلامية ماثلة في العمران، وخاصة في الطراز الهندسي لمساجدها، مثل «زاوية الهامل»، التي تعتبر معلما دينيا وفكريا. ورغم مرور السنوات إلا أن هذه الزاوية ما تزال محافظة على نهجها في تعليم القرآن وتعاليم الدين الإسلامي المتسامح والمتفتح على العلوم وعلى العالم بأسره، كما أن الطراز المعماري الإسلامي ظاهر أيضا في مسجد النخلة والمسجد العتيق الذي بناه سيدي ثامر أحد علماء المدينة، الذي قال يوما:» إن الله يبارك كل من يعيش في بوسعادة أكثر من 40 يوما».

 

….السحر والإلهام

 

مناظرها الجملية وواحاتها المغرية، وأشعة الشمس المطلة من وراء جبل كردادة والتي تتسلل عبر أشجار النخيل، جعلت منها مصدر إلهام للشعراء والعشاق في كل الأزمنة، ولعل المثال الأبرز هو الفنان الفرنسي ايتيان دينيه الذي ترك لوحات فنية تلخص جمال هذه المدينة وسحرها. اسمه الكامل كان ألفونس إتيان دينيه ولد في العاصمة الفرنسية باريس سنة 1861، والده كان محاميا ووالدته لويز ماري كريمة محام مشهور أيضا، درس الفنون الجميلة في باريس، ولما رسم عرض لوحته الأولى «الأم كلوتيلد» سنة 1882 لقي عمله الفني استحسان نقاد الفن، وفي السنة الموالية حصل على لوحة الشرف بعد عرض رسمه «صخرة صامو» وقام في السنة نفسها بأول زيارة إلى الجزائر، ثم حصل على منحة مكنته في السنة الموالية من القيام بثاني زيارة إلى الجزائر، وزار بعض مدن الجنوب، مثل ورفلة والأغواط، ورسم لوحته الشهيرة «سطوح الأغواط» وهي لوحة موجودة الآن في معرض الفنون الجميلة في الجزائر.

تعرف دينيه على شاب جزائري اسمه سليمان بن إبراهيم باعامار وتكونت بينهما صداقة، ومن خلاله زار دينيه بوسعادة، ثم قرر أن يستقر فيها سنة 1905، تاركا الحياة الباريسية وراءه، وأقام في بيت تقليدي سقفه من تراب وقصب، وهو البيت الذي تحول فيما بعد إلى متحف إتيان ناصر الدين دينيه، بعد أن قرر اعتناق الإسلام سنة 1013. تعرف دينيه على الدين الإسلامي وتعلم اللغة العربية، وفهم التقاليد والعادات الجزائرية، ورغم أن حملة انتقاد في أوروبا طالته بعد اعتناقه الدين الإسلامي، إلا أن ناصر الدين اتيان دينيه لم يلتفت إليها. وفي عام 1929 قرر أن يحج، ورغم الرحلة الطويلة ومشاقها، إلا أنه أتم هذا الشطر من الدين، وكتب من جدة يقول:»هذه الرحلة تركت في نفسي انطباعات، لم أشعر بما هو أسمى منها في كل حياتي (…) خاصة عما شاهدته من جوانب هذه العقيدة الوجدانية، من حيث المساواة والأخوة بين حوالي 250 ألفا من الناس ينتمون إلى مختلف الأجناس، كانوا مزدحمين الواحد بجانب الآخر في صحراء موحشة». توفي إتيان دينيه في باريس بعد عودته من الحج، بعد نوبة مرضية، ونقل جثمانه تنفيذا لوصيته، ودفن في مدينة بوسعادة، وكان ذلك في الـ12 كانون الثاني/يناير 1930، ومازال يرقد إلى جانب صديقه سليمان بن إبراهيم في مقبرة حي «الدشرة القبلية» في مدينة بوسعادة، بعد أن خلف إرثا من اللوحات التي ترسم جمال المدينة وجمال نسائها، ومن أهم لوحاته «سحرة الثعابين» و»الفتيات العربيات» و»المتربصون» و»الزوجة المهجورة».

خلف دينيه وراءه كتبا في الأدب وأخرى في الدين والتاريخ، وهذه المؤلفات التي أصدرها، مثل كتاب «الحج إلى بيت الله الحرام» وكتاب «محمد رسول الله» والذي ترجم بعد وفاته بسنوات طويلة، وكتب مقدمته شيخ الأزهر الدكتو عبد الحليم محمود قائلا: «لقد عاش فنانا بطبعة، كان مرهف الحس، رقيق الشعور، جياش العاطفة، وكان صاحب طبيعة متدينة أيضا. كان كثير التفكير، جم التأمل، يسرح بخياله في ملكوت السماوات والأرض، يريد أن يخترق حجبه ويكتشف مساتيره».

وقد حاول دينيه من خلال كتبه تصحيح النظرة السائدة آنذاك تجاه الدين الإسلامي، والهجوم الذي كان قد شنه بعض المستشرقين ضد الإسلام.

وقال عنه الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزير الخارجية الأسبق ونجل الشيخ البشير الإبراهيمي: «لن نكون منصفين إذا قلنا أن دينيه وقع في الإبتذال، وراح يبحث عن المناظر الغريبة في الصحراء الساحرة. لقد آمن بالديانة الإسلامية إيمانا صادقا، ودخل فيها عن دراية واقتناع». وقال عنه الكاتب ج رولانس سنة 1938: «بوسعادة الجميلة هي التي ألهمته رؤى تشكيل يليق بمقام شخوص فضاء يملك كل الأدوات الفنية الخلابة. أتصور أن بوسعادة ساهمت في تشكيل الرجل من جديد، لبسته عبر عبقها، الذي يغري القلوب. بوسعادة شهادة حية على تطعيم القلوب بحب يرسم الخلاص. لولا هذه المدينة لما دخل دينيه في ردهات الحياة الساحرة. بوسعادة التي أعرف وعشت فيها أياما سحرتني وجعلتني، حتى أنا، أرسم لنفسي توليفة الإضافة في واقع لا يخون القلوب».

 

….بحث عن السياح

 

المدينة تشتهر أيضا بصناعة الحلي التقليدية، والتي تم توارثها عبر الأجيال، وكذا صناعة السيوف، والبرانيس التقليدية المصنوعة من الوبر، والتي يلبسها الرجال لتحميهم من البرد.

وتعتبر الحلية التي تتم صناعتها من الفضة من أشهر الحلي في المنطقة، فهي تضم آيات قرآنية، وتستعمل لإبعاد كل الأمراض ووسوسة الشيطان، ولتحصين الإنسان من الحسد، وهذه الصناعات التقليدية المختلفة تبقى تراوح مكانها في ظل غياب السياح الأجانب وحتى الجزائريين الذين يجهل الكثير منهم هذه المدينة الجميلة الساحرة.

تحاول المدينة أن تستعيد سياحها من جديد، خاصة بعد تحسن الوضع الأمني، ولكن انتعاش السياحة فيها مرهون مثلما هو الحال بالنسبة للكثير من مدن الجزائر الأخرى، بوجود فنادق من الدرجة الأولى، وهياكل أخرى تساعد على جلب السياح، فالمدينة لا تحتوي إلا على فندقين اثنين هما «كردادة» و»القايد» واللذين استفادا من عملية إعادة إعمار، لكن طاقتهما الاستيعابية تبقى غير كافية لاستقطاب عدد كبير من السياح الأجانب، فالجزائر ورغم البحبوحة المالية التي عرفتها خلال الـ15 سنة الماضية، لم تستثمر في توفير المنشآت القاعدية في مجال السياحة، رغم أن الخطاب الرسمي ظل يكرر منذ سنوات رغبة السلطات الاستثمار في قطاع السياحة، وجعله مصدرا أساسيا للدخل القومي في إطار السعي للتخلص من التبعية النفطية.

تجسيد هذا الوعد في الميدان بقي يراوح مكانه، خاصة وأن ما أنجز من فنادق خلال الـ15 سنة الماضية لا يعكس الوفرة المالية التي عرفتها البلاد، ولا الأموال التي صرفت في مشاريع ليست ذات أهمية كبيرة، فضلا عن تلك التي تم تبذيرها أو تحويلها لوجهات غير معلومة، ويكفي أن نذكر مثلا أن المنتدى الدولي للغاز الذي نظم في مدينة وهران سنة 2010 صرف فيه أكثر من 850 مليون دولار، وهو المنتدى الذي نظم في عهد وزير الطاقة السابق شكيب خليل، والذي أصبح في نظر الجميع هو المسؤول عن الفساد الذي عرفه قطاع الطاقة، والذي مازال محل تحقيق من طرف القضاء الجزائري وحتى الإيطالي.

ورغم الداء والأعداء تبقى مدينة بوسعادة بجمالها الأخاذ وطبيعتها الخلابة وتاريخها العريق وتقاليدها الأصيلة وكرم سكانها في انتظار أيام أفضل، خاصة وأن المؤهلات التي تملكها تجعلها مدينة سياحية من الطراز الأول، لكن في ظل غياب إرادة سياسية لتطوير السياحة في الجزائر، فإن تحقيق هذا الحلم يبقى مؤجلا إلى وقت لاحق.

عيسى فراق /ام البواقي

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock